الانترنت العربي:من “تِك..تِك”…للسلام عليكم!

الانترنت العربي:من “تِك..تِك”…للسلام عليكم!

بقلم:ابراهيم طه الزايد

أول مرة سمعت كلمة “انترنت” في حياتي كانت في العام 1994 ميلادية، كان عمري وقتها 14 عاما ، وكنت اجلس مع أحد أصدقائي ودخل علينا اخوه المهندس ، الذي شرح لنا انه يعمل على مشروع ادخال شيء اسمه الانترنت الى الأردن ، حيث كنت اتواجد وقتها.

شغفني الموضوع جدا ، واشتعل فضولي ، حتى ضاق بي المهندس ذرعا، كان فضول المراهق العاشق لكمبيوتر صخر – الذي كان هو الكمبيوتر وقتها – ، وهو عبارة عن كيبورد فيه معالج صغير يتم شبكه على شاشة التلفزيون- .

في العام 1996 دخل الانترنت بشكل تجاري أوسع، وتعرفت عليه عن كثب ، وكانت ساعة الانترنت في ذلك الوقت باهضة حيث تصل الى 10 دولار في الساعة وهو مبلغ مرتفع على ميزانية مراهق مثلي في ذلك الوقت ، لكنني كنت أجتهد لتوفير المبلغ فقط للجلوس على الانترنت واطفاء فضولي تجاه هذا العالم الغريب الذي لم يكن له معنى وقتها للكثيرين.

لم تكن المواقع المتاحة كثيرة بالنسبة لنا كعرب، كان هناك موقع Yahoo وموقع MSN وبدأت المحاولات العربية بموقع “أين” و “بلدنا” وموقع “عجيب” وغيرها ، لكن كان لدى جيلي اصرار غريب على ولوج هذا العالم ،رغم انه كان مملا مقارنة بما هو عليه الان ، حيث كان فعلا “شبكة معلومات” فقط ، فالموقع ينشر وانت تقرأ!

كسرنا الملل بتعرفنا على “الدردشة”…كان هناك Yahoo Chat وهي عبارة عن غرف صوتية وكتابية يقدمها موقع ياهو الرئيسي،و يجتمع بهذه الغرف اشخاص من كل دول العالم ،في الحقيقة كانت فكرة تعرّفك على فتاة من السويد أو شاب من كندا وتتحدث معهم الانجليزية ،شيء ملهم ، ويلهب خيالنا المراهق!

في الغرف الصوتية ، كان شغف الحصول على المايك والحديث بالانجليزية مع أشخاص من كل دول العالم ، والدخول معهم في حوارات وسجالات وجدالات وأحيانا شجارات دافع كبير للتسمّر ساعات طويلة أمام هذا الجهاز!

على مستوى الاتصالات المحلية في البلدان العربية ، تطورت الأمور ، فقد تم الترخيص لشركات تجارية بتقديم خدمة الانترنت المنزلي ، فقمت ُ على الفور بالاشتراك، وكان الشبك على الانترنت وقتها يتم عن طريق Dial-up وهو اتصال يعتمد على اسلاك التلفون العادية، وكانت سرعة الانترنت 56 kbit/s  فقط! ، أي أن الموبايل الآن ذو سرعة الواحد جيجا عبارة عن 20 ضعف لهذه السرعة ، ومع ذلك كنا في قمة الاستمتاع والرفاهية!..كانت فكرة أنك جالس في منزلك وتستمع بالانترنت فكرة رائعة!

بعد شغف التواصل مع الاجانب ، نشأ لدى الكثيرين شغف جديد وهو التواصل مع عرب من اقطار مختلفة ، فكان التوجه الى المايكروسوفت Chat ، وهي محادثة كتابية من خلال موقع مايكروسوفت، وهي المكان الذي تم فيه ابتكار لغة “العربيزي” ، اذ لم يكن بمقدور المستخدمين العرب الكتابة بلغتهم في تلك الايام ، مما اضطرهم لاختيار رموز وارقام واحرف تعبر عن احرف العربية.

بعد ذلك ، أو بالتوازي معه ، ظهرت برامج متخصصة بالمحادثة الكتابية ، كان اشهرها MIRC وهي موجودة حتى الان ، وكذلك التشات على ICQ وهو برنامج شبيه بالماسينجر ، لتنزل البدعة الجديدة وهي الهوتميل ماسينجر الذي يتيح الاتصال عن طريق الفيديو، ليحقق نبوءات حلم بها الانسان منذ عشرات السنين ، فقد كنا نرى بافلام الخيال العلمي كيف سيصبح الاتصال “صوت وصورة” ، وهو ما تحقق.

في نهاية التسعينات وبداية الألفية ، بدأت الطفرة العربية في الانترنت ، وتركزت على المنتديات ، مثل منتدى الساحات ، وهجر ، وارابيا ، والمشاغب ، وغيرها العشرات من المنتديات والدردشات الصوتية ، وكذلك ظهرت المواقع الصحفية العربية مثل ايلاف وغيرها ، ومواقع الفلاش العربية ، وكانت غالبها محاولات فردية لأشخاص عاديون تملكهم الشغف الالكتروني ، بينما كان رجال الاعمال والرسميون العرب يعتبرون أن الانترنت “لعب عيال”.

في العام 2003 تم غزو العراق ، فتحول الانترنت الى ساحة قتال شديدة بين مؤيدي الغزو ومعارضيه ، تجلى ذلك في المدونات الشخصية  والمنتديات والتعليقات على الاخبار ، ثم ظهرت بعد فترة التنظيمات الارهابية ومنتدياتها على الانترنت ، حيث كانت تلك المنتديات تشكل تجمعا اخباريا وفكريا لعناصر تلك التنظيمات ، وكان لدى كل المراقبين استغراب شديد لكيفية ظهور هذه المنتديات دون ان يستطيع احد معرفة مالكها او ممولها ، رغم أن الــDNS العالمية تحت رقابة امريكا المباشرة!

في تلك السنوات ، ازداد الطلب العالمي على الانترنت العربي ، فالمنتديات الارهابية صارت مصدر مهم للقنوات الفضائية العالمية ، فكل عملية تقوم بها تلك التنظيمات كانت تصورها وتنشرها على مواقعها .

وتضاعف الطلب العالمي على المواقع العربية ليصل الى حدود قصوى ، عندما قام تنظيم القاعدة في العراق على يد ابو مصعب الزرقاوي بقطع رأس المواطن الامريكي نيكولاس بيرغ أمام الكاميرا بتهمة التجسس ، وكانت تلك اول عملية قطع رأس لأنسان تحدث امام كاميرا حديثة وتم نشرها على الانترنت ، ليبدأ المهووسون بالعالم بالبحث عن ذلك المقطع الرهيب والمخيف، وبعد حذفه من غالبية المواقع، تم اتاحته بموقع للدمويين والمهووسين اسمه  ogrish.com ، تم اغلاقه لاحقا.

على صعيد مواقع الترفيه ، كان هناك My Space وهي شبكة اجتماعية مثل الفيسبوك حاليا ، وكان هناك أيضا Hi 5 ،وظهر اليوتيوب ، وتزايد مستخدمو الانترنت حتى ظهر الفيسبوك وتويتر في 2005 -2006 وما بعدها ليشكلوا ثورة التواصل الاجتماعي التي نعيشها حتى الان.

كان الفيسبوك للمرح واللعب والتشات والتعارف ، والتقاليع الشبابية الغريبة ، حتى اواسط العام 2010 حيث انتشرت اخبار وصور بين مرتادي الموقع عن قيام مخبري شرطة مصريين بتعذيب شاب سكندري في الشارع حتى الموت لأنه كشف فساد المخبرين بفيلم فيديو نشره على حسابه  كما يقول الناشطون، فسيطر غضب عارم على الانترنت المصري ، تجلى بانطلاق صفحة تحمل اسم الشاب وهي صفحة “كلنا خالد سعيد”، وخلال ساعات حققت الصفحة 100 ألف متابع ، وكانت الصفحة تنشر قصة خالد سعيد ، وصوره وشهادات الشهود ، وسط تعليقات غاضبة من الشباب ، ولم يكن احد يعرف من يدير الصفحة أو يقف وراءها في ذلك الوقت ، وتحولت قصة الشاب الى قضية رأي عام مصرية تتناقلها الصحافة ، وتابعت الصفحة عملها ومنشوراتها ، حتى دعت متابعيها الى الخروج بوقفة صامتة في ساعة محددة في كل المدن المصرية، وحمل وردة اثناء ذلك .

الحملة نجحت، وخرجت مجموعات من الشباب المصريين الى الشوارع تلبية لنداء الصفحة ، ما أشار الى أننا امام عصر جديد يتشكّل، وتبيّن ان الصفحة قادرة على الحشد والتأثير ، وبدأت تنشر فيديوهات للوقفات الصامتة من كل المدن المصرية، والصحافة تنقل عنها.

في ذلك الوقت ، كان شباب تونس الفيسبوكي يتفاعل مع قصة “محمد البوعزيزي” بائع الخضار الذي احرق نفسه بسبب شرطية ضربته ، فصار التونسيون ينظمون وقفات احتاجية من خلال الفيسبوك ، لتشتعل شرارة ما سمي لاحقا بـ”الثورة التونسية”!، وفي اواخر ديسمبر 2010 كان نظام الرئيس التونسي بن علي قد سقط تحت ضغط المظاهرات ،لتنتقل “العدوى” الى الصفحات المصرية ، وخصوصا صفحة “كلنا خالد سعيد” لتبدأ بالتحريض على الخروج بمظاهرات تسقط النظام شبيهة في تونس، لتشتعل الثورة المصرية ، وتخرج من صفحات النت ، الى شوارع أرض الكنانة!..وليبدأ عصر ثورات الفيسبوك في سوريا وليبيا واليمن.

ومع ثورة الهواتف الذكية وتطبيقات التواصل ، صارت الانترنت عوالم كثيرة وليست عالما واحدا ، وصار بامكاننا ان نقول ان عدد مستخدمي واتس أب أكثر من عدد مستخدمي الانترنت !…وعدد مستخدمي الفيسبوك أكثر من عدد مستخدمي البريد الالكتروني!

نحن الان نعيش “جنون الانترنت” ، وكل يوم فكرة جديدة ، وموقع جديد ، وموضة جديدة، حتى صار صعب ملاحقتها ، الان نحن أمام تطبيقات مثل You Now التي تبث كلامك على الهواء مباشرة لمتابعيك وسناب تشات وانستغرام وغيرها الكثير الكثير..لم يعد امامنا الا متابعة هذا الوحش الذي افترسنا.

جدير بالذكر أن المعلومات أعلاه ، تم اختصار الكثير من تفاصيلها، وهناك الكثير من الأمور التي يجب الحديث عنها في الانترنت العربي.

نبذة عن الكاتب:

ibrahim-alzayed

ابراهيم طه الزايد – مطور محتوى الكتروني – المشرف العام لموقع شباب 20

مقالات ذات صله