البامبرز..الذي رسم حياتي!

البامبرز..الذي رسم حياتي!

بقلم:ابراهيم الزايد

اعمل موظفا في احد الدوائر الحكومية، راتبي بالكاد يكفيني لأسكت به زوجتي في اول اسبوع من كل شهر ، بعدها انا مضطر لسماع “نقها وسقّها” وشكواها من الفقر وقلة الحيلة على مدار الثلاث أسابيع المتبقية من كل شهر.

بعد أن رزقني الله بطفل، صار البامبرز والسيريلاك “همّ ٌ اضافي” متراكم فوق همومي التقليدية…انا غاضب جدا من بامبرز وعاتب عليه،لكن ما باليد حيلة.

في عملي انا “البطالة المقنعة” بعينها، استيقظ صباحا وأتجه الى وظيفتي،أمر بأحد المطاعم، واشتري سندويتشات واتوجه الى مكتبي لأقاسم ثلة من امثالي “جو العمل” الذي لا نفعل فيه شيئا سوى الثرثرة وتصفح الجرائد، والوحيد الذي اشعر ان لديه انتاجية بيننا هو الساعي عوض، فالرجل يجني مبلغا معتبرا من الشاي والقهوة وخدمات الناس من تحت الطاولة!

مديري في العمل خمسيني دميم،كان اسمه الاستاذ غامر ع. ، وكما قالوا في الامثال، لكل امريء من اسمه نصيب، فغامر كان يغمرنا بسلاطة لسانه وعنجهيته… كان يختارني من بين الموظفين لـ “يمسح بي الارض”، على قاعدة “اضرب المربوط..يخاف السايب”، فأنا على عكس كل الجالسين في المكتب، لا واسطة لي، ولا ظهر يسندني، واصلا وظيفتي جاءت بالصدفة و “شفقة” من المدير الذي سبق غامر.

ليس هذا السبب الذي يدفع غامر لتوبيخي الدائم ، بل هناك اسباب اخرى، اهمها ان وجودي وعدمه في المديرية واحد، وكذلك انني بشخصي “تحت أمر” الجميع،فانا اوقع الحضور عن السيد علي وهو شاب صغير بالعمر لا يأتي الى العمل لانه “مسنود”..كذلك أنا اقوم باي اعمال تطلبها مني “حنان” السكرتيرة،فمثلا تطلب مني ان احضر لها اغراض المنزل،وهذه المهمة من تخصص الساعي، لكنني اتطوع للقيام بها حتى اشعر أن لي ظهر في المديرية!

كذلك هذه المهمة تتناسب مع قدراتي تماما، فأنا احمل بكالوريوس في المحاسبة، وحتى لا انسى تخصصي ، أواضب على شراء هذه الحاجيات للسيدة حنان ، حيث أمارس مهاراتي الجامعية في ترحيل الحسابات والقيود،وأطبق نظريات الاقتصاد الكلي على “الكوسا واللحمة” وبقية الحاجيات.

اريد ان يكون معلوما انني لم اكن في شبابي هكذا.. بل كنت شابا منطلقا مفعما بالحيوية..كنت “سلطانا” بين اصدقائي،وكان لحضوري سحر خاص بين الاخرين،ولكن عندما كبرنا ودخلنا معترك الحياة الحقيقية، هدّني الفقر والحاجة والحرمان،وحنى ظهري غياب السند وفقد الخلان الاوفياء،فطأطأت رقبتي لانني لست قادر على رفعها ولم احقق بعد ما يرفعها رغم سنواتي التسعة والثلاثون على ظهر هذا الكوكب البائس.

عرضت نفسي للبيع اكثر من مرة،لكنني لا املك بضاعة تجلب زبونا…لا املك قرارا في عملي..لا يوجد لدي راس مال اقيم فيه حفلات وولائم اتعرف فيها على اناس يسندوني، ليس لدي القدرة على شراء هدايا او شراء ملابس فخمة وسيارة فارهة تؤهلني للدخول الى نادي “المدّعين”!!…باختصار انا لا املك شيء سوى منزل بايجار قديم ورثته عن ابي وراتب مديون به لعامين الى الامام وزوجة بائسة تشكو ضيق الحال طوال اليوم، توقظني على صوتها بالصراخ والعويل والدعاء على حظها العاثر بان تزوجت بي…أحيانا كنت اتظاهر بالنوم وهي تغير لابني البامبرز..كانت لحظة تغيير البامبرز بالنسبة لي لحظة عصيبة اسمع فيها كل صنوف الاهانة من زوجتي الحنون الرؤوم والحقيقة انني لا اعرف ماذا افعل بالضبط حيالها،هل الومها ام الوم نفسي ام الوم زمانها وزماني…هذا انا وهذه حياتي فماذا عساي أن أفعل.

مرت فترة في العمل، انتفض فيها غامر على نفسه،وقرر ان يمسك المديرية بيد من حديد -على حد قوله – وذلك بعد حادثة طريفة حصلت في المديرية،وهي تلقي غامر اتصال من مجهول يشتمه باقذع صنوف الشتائم ويسخر منه، ويقول له :”يا غامر…لماذا انت لص ؟”….كان غامر يغلق السماعة ويجمعنا ويبدأ باسماعنا ما لذ وطاب من الشتائم، وكان عنده تصميم غريب على انني انا من اقوم بالمكالمات،وبالرغم من انني اوجه تحية لذاك المجهول على اتصاله بغامر..الا انني أقسم أنني لم افعلها…لأني اجبن من ان افعلها…قد يكون سبب تركيز غامر علي هو امكانية شتمه لي وهو يعرف تماما انني لن ارد او بالاحرى لا يوجد لي ظهر ليرد عني، وبنفس الوقت يوصل رسائله لهؤلاء من ذوي الظهور المتينة دون ان يكلمهم بشكل مباشر.

مرت أيامي على هذه الحالة….موظف براتب مديون وزوجة شاكية باكية ومدير لئيم وطفل صار عمره عام، وبحاجة دائمة للبامبرز!

في احد الايام،كنت في المديرية اساعد زميلتي سعاد بحفر الكوسا واتجاذب اطراف الحديث مع بقية الزملاء،فدخلت الينا في المكتب امرأة لا تشبه النساء التي نعرفها، كانت طيفا..همسة..كانت اريج عطر مر في مكتبنا البالي..طويلة زادها الكعب الاسود طولا…نحيلة مثل آلة كمنجة اوبرالية…شعرها خصلات من الذهب المفرود على عواميد رومانية…اغرق عطرها المكان…وبتنورتها القصيرة اغرقت الزمان ايضا…تفاصيلها توحي بأنها امرأة تجيد صنع الانوثة في “الزمكان” وفق تعبير اينشتاين…كانت تضيف بعدا رابعا لما حولها..سألت وقالت بكبرياء:”اين مكتب المدير العام؟”….فانتفض “اصحاب النخوة” من الزملاء لارشادها،وناحت الزميلات بصمت وكأنهن نساء بني امية حينما غزاهم جند بني العباس…ذهبت تلك النسمة الى مكتب غامر..وعدت ُ انا لحفر الكوسا..وبدأت الزميلات والزملاء بممارسة طقوس الثرثرة والاستفهام عن المرأة.

بعد ربع ساعة،جاء الساعي مرتجفا ويقول لي: “ماذا فعلت ايها الحزين…غامر يريدك فورا”…انتفضت من مكاني…واعطيت معدات حفر الكوسا لأحد الزملاء ليتابع الحفر…ارتبكت ولبست جاكيت بدلتي المهترئة…توجهت الى غرفة غامر وانا ارتجف وكنت اعرف تماما ان المرأة لا زالت في مكتبه…جهزت نفسي لاتلقى الشتائم والاهانات امامها،فهذه عادة غامر في استعراض مدى سطوته ونفوذه وقوة شخصيته أمام الغرباء ،فكيف اذا كان الغرباء كالمرأة الطاعنة في الانوثة التي تزوره…وفي لحظة شجاعة وقفت امام مكتبه وقررت انني سأرد له أي اهانة فيما لو تطاول عليّ أمام المرأة ، وسأخبره بانني انا من كنت اتصل به …في تلك اللحظة نسيت زوجتي وراتبي وحياتي المتوقفة على قرار هذا الغامر،وقررت ان اعود لنفسي.

دخلت الى مكتبه ولاول مرة ارفع رأسي واحدق مباشرة في وجهه،قام غامر من مكانه مهللا بي،وجاء نحوي وربت على كتفي وقال للمرأة،هذا اكثر موظف كفؤ ومؤتمن عندي…ثم دعاني لأجلس امامها وعاد هو خلف مكتبه مبتسما يسألنا ماذا سنشرب!

في الحقيقة ووسط ذهولي ارتبكت وطلبت قهوة دون شعور،احضر الساعي القهوة وكان مستغربا مثلي…قال غامر:اليوم سوف تقوم بمقام نائبي الغائب عن العمل في سفر،وستأتيك علاوة استثنائية بناء على هذا التفويض، وقام غامر على الفور وطلب السكرتيرة وامرها ان تطبع امرا اداريا بتفويض صلاحياته لنائبه لغيابه في مؤتمر ، وأمر اداري آخر صادر عن النائب الغائب بتفويضي للقيام بصلاحياته !

قال لي غامر ان “المدام” سوف تكرمني،وانا وسط الذهول انظر الى تلك الانثى وانظر الى غامر غير مستوعب ما يجري.

بعد ان تم طباعة الاوامر الادارية وتصديرها الى الديوان،اعطاني غامر ملفا وقال لي ان اوقع عليه،وعندما فتحت الملف لانظر ما فيه…قال لي بعصبية:”انت صدقت نفسك..وقع وقوم”.

ببساطة رفضت،وهذه المرة الاولى في حياتي التي اشعر فيها ان الرفض موقف،وان الرفض اعاد شيئا من الدماء الى عروقي الميتة، قال لي غامر:”اطلع برة”…فقمت من مكاني..لكن السيدة قامت وقالت :”غامر..ما معنا وقت..” ثم وجهت كلامها لي..وقالت :”اجلس”…اخرجت دفتر شيكات وقالت:”المعاملة التي بين يديك غير قانونية..وليس عندنا وقت…اما ان توقع وتقبض…او تذهب”، في تلك اللحظة عرفت ان وقت المزاد بدأ…فتحت السيدة دفترها وكتبت ١٠ الاف دولار…وسط امتعاض غامر…اخذت الشيك منها واضفت بضعة اصفار لا اعرف كم عددها…نظرت المرأة للشيك..وقالت موافقة..وقعت المعاملة..واخذت الشيك وصرفته فورا….كان مالا كثيرا احتضنته بكلتا يداي…ذهبت للجزار والبقال ودفعت ديوني…اشتريت الكثير من البامبرز…وتوجهت للمنزل…طلقت زوجتي واخذت طفلي … عرفت الطريق للاستثمار في نفسي وتوالت السيدات الجميلات والشيكات…مرت الان ١٥ سنة…لدي الكثير من المال..والكثير من البامبرز الذي اغير فيه لابني الشاب…لانه لا يستطيع قضاء حاجته بنفسه لاصابته بمرض نادر لا احد يعرف سببا أو علاجا…

 

 

 

 

 

نبذة عن الكاتب:

ibrahim-alzayed

ابراهيم طه الزايد – مطور محتوى الكتروني – المشرف العام لموقع شباب 20

مقالات ذات صله