الحبل الذي فرق بين الموت والحياة

الحبل الذي فرق بين الموت والحياة

بقلم: محمد جمال

 

 

اعتاد ضجيج القاهرة ألا يتركنى أودع هذه البلدة بدون ما أن يترك بقاياه في ذهنى، وكالعادة بمجرد أن أصل إلى سيارة السفر أجدنى قد ركنت إلى السكون إلا أن هذه المرة لم يكن السكون إلا كمقدمة للحظات اشتعل الرأس فيها شيباً!!
ضوء خافت يخيم علي هامات المسافرين من قاهرة المعز في “ميكروباص”منهك القوى وأضف لذلك سائقاً أهوج لا يتمتع بأدنى درجات المسئولية عن أرواح البشر، أيقظنى من بجوارى ليخبرنى بتعطل السيارة بين ظلمات ليلة حالكة السواد وصحراء جرداء عن يمينك وعن يسارك طريق للسيارات يتنافسون بأرواحهم فيما بينهم !!
الناظر للصورة يشعر بأنه موقف اعتيادى رتيب، لكن دعنى أجعل سائق السيارة الأهوج -سالف الذكر- يخبرك بأن السيارة لم يكن بها “فرامل ” أثناء حركتها وسط الآلاف بل أول مرة يقودها فلا يعرف عن أمرها شيئاً إلا أنها فقدت الآن وقودها ولم يتبق فيها سوى أرواح بريئة من كل هذا!!
مرت ساعتان تقريباً ولم يلتفت إلينا أحد ونحن واقفون نحتمى بهذه السيارة المتهالكة التى تعطل حتى ضوئها الخلفي كإشارة للتنبيه، وإذ بشاحنة هائلة الحجم تتوقف على بعد قريب منا لعرض المساعدة وبالفعل بدأ السائق بربط “حبل ” شاحنته بسيارتنا لأن سائقنا الأهوج فشل حتى في ربطه، وبينما نحن علي أمل التحرك من هذا الظلام استوقفنا “ميرو”.
“محمود” رجل في الأربعينيات من عمره يمتلك هذه السيارة المتهالكة وأخت مثيلة لها وما يدعو للتساؤل هو لقبه “ميرو” والأغرب أنه وصل بعد ساعتين من التواصل معه، شعر “ميرو ” أخيراً بالخوف علي أرواح من معهم في السيارة المتهالكة بأنه قد لا يوازن سائق الشاحنة بين ثقل هذه الشاحنة الهائلة وهى تسحب خلفها سيارة تمشي على استحياء!!
هم “ميرو” بربط حبل سيارته القادم بها من القاهرة وهو يحمل بها أربعة عشر راكباً بسيارتنا المتعطشة للحياة، وبدأ يتحرك على الطريق الصحراوي السريع، كنا جميعاً نظن أننا سنصل إلى بر الأمان بمجرد أن تسحبنا سيارة آخرى ولم ندرك أننا سنذوق الموت في الدقيقة مرة أو مرتين.
مجموعة من الخيوط السميكة اسموها حبلاً بل هنا هو بطل الرواية الذى يحدد نهاية المشهد، لطالما كنت اسمع صيحات السيدات معنا بداخل هذه السيارة خوفاً  من تعرضنا للاصطدام، يرتجف قلبى كلما يتمايل “ميرو” على الطريق بالسيارة الأمامية ونحن في الخلف لا نملك إلا سيارة متهالكة وسائقاً أهوج.
كعادة الحياة حينما تكون ضعيفاً قد لا تجد من يساندك بل يضع فوق آلامك آلام أخرى، تجد من العجب العجاب أن سائقين السيارات الآخرى كانوا يظنون أننا داخل منافستهم الحمقاء ويهم هذا بجعلنا أقصي اليمين وآخر بأقصى اليسار و “ميرو ” وحبله مازالوا يتراقصون فيما بيننا.
لك أن تتخيل ثلاثين روحاً في سيارتين بينهما حبل في طريق صحراوي سريع تبحث فيه عن مصادر للإنارة علي بعد أميال من بعضها البعض ، لم يكن معنا سوى الشهادتين لله وكلما ازدادت سرعة “ميرو” وازداد الوضع تبلغ القلوب منا الحناجر!!
 مشهد عبثي عنوانه “ضمائر فاسدة” أردت سرده وأنا من بين ذاقوا الموت في الدقيقة مرة أو مرتين حتى لا نجعل مرة أخرى حبلاً يفرق بين الموت والحياة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

1 تعليقات

  1. احمد عبدالله

    الحمدلله على السلامة…طيب ايه الحل؟ نسكت؟ نزعق ونتظاهر؟ نعمل ثورةة كمان مرة؟ نعمل ايه

التعليقات مغلقه