الحمدلله على نعمة “السيلفي”!

الحمدلله على نعمة “السيلفي”!

بقلم :ابراهيم الزايد

منذ العصور الأولى للبشرية ، استخدم الانسان “الصورة” ليخلد فيها ذكرياته ، وانجازاته ، مخاوفه..هزائمه..انتصاراته..وحتى جمال نساؤه…رسم تفاصيل حياته على جدران الكهوف الغائرة …لو حدقت قليلا بهذه الصور…ستجد أنها رسومات خطّها اجدادنا الأوائل ليسجلوا فيها لحظة عاشوها من حياتهم اليومية، ولم يقصدوا أي شيء آخر!

تطور الانسان بعد العصور الاولى ليصل الى الأحرف التي شكّلت اللغات ، وبالرغم من تطور اللغة في العالم أجمع، ظلت الصورة الناقل الأكثر امانة وموضوعية وتعبيرا عن التاريخ وعن طبائع البشر الاولين وانماط حياتهم…يعرف ذلك علماء الاثار الذين اخذوا صورة شبه كاملة عن الحضارات البابلية والفارسية والهندية والفرعونية من صور ابنائها المنقوشة على جدران المعابد والقصور والأحجار… هل تتخيل كم كان الانسان يجهد للاحتفاظ بـ”صورة”!؟

استمرت “الصورة” بالتطور ، واخذت أشكال كثيرة ، ومرت عليها حضارات عديدة ، وظل لها هدف واحد ، هو “تخليد اللحظة” و “تجسيد التاريخ” ونقل صورة أمينة للحضارة التي انتجتها، مع التأكيد ان صانع هذه الصورة لم يقصد أن يجعل منها “وثيقة تاريخية” ولم يخطر بباله أن تكون كذلك.

وعندما أطلقت الحضارة الاسلامية شعاعها، أطل من عباءتها العالم الجليل ابن الهيثم الذي كان يدرس البصريات في الأزهر ، وأطلق ابتكاره الأسطوري “الغرفة المظلمة”، وهو أول ظهور للكاميرا في التاريخ ، وتمت ترجمة اسم الابتكار العربي الى اللاتينية باسم Camera obscura ، وهي الترجمة الحرفية لعبارة “الغرفة المظلمة”.

ظل الانسان يطوّر بالكاميرا ، وبعد أن كان يحفر على الجدران وفي الكهوف صوره ، ويستمر لأشهر في ذلك ، أصبح بمقدوره اختصار الوقت الى اسابيع معدودة.

ظلت “الصورة” تلعب نفس الدور الذي كانت تلعبه سابقا في العصور الغابرة…وهو “تخليد اللحظة”…لدرجة ان الأوربيين في العصر الفكتوري اعتبروا ان الصورة تتفوّق على الموت ، فالتقطوا اكثر الصور “رعبا” لموتاهم .

في هذه الصور تقوم عائلة الميت بالتقاط صورة جماعية مع المتوفي ، اعتقادا منها ان هذا يبقي ذكراه معهم، وقد كانت ممارسة منتشرة، وانتهت بدايات القرن العشرين، وكانت العائلات تتكبد جهدا كبيرا لالتقاط هذه الصورة، نظرا لشح الكاميرات وارتفاع ثمن الصورة.

ظلت الصورة تتطور بتطوّر ادواتها وهي الكاميرا ، حتى وصلنا الى كاميرا الموبايل ، وكاميرا “زر القميص” وكاميرات المراقبة المربوطة بالانترنت ، وكاميرات الاقمار الصناعية ، وكاميرات رادارات الطرق وكاميرات التجسس…وظلت الصورة هي الصورة…تخليد للحظة وتسجيل للتاريخ.

تذكر عندما تأخذ عشرات صور السيلفي في لحظات لتختار منها واحدة ، أن الاوربيين كانوا يحاولوا التفوق على الموت بالصورة، وتذكر أيضا أن اجدادنا الأولون كانوا يمكثون أشهر وسنوات وهم يخطّون صورة…تذكر ان الصورة نعمة من الله …لها أخلاقياتها..حتى لو كانت مجرد “سيلفي”…الصورة هي نتاج انساني راقي يجب ان تتمثل فيها قيمك المتمدنة…ولحظاتك..وأيامك..فقد تكون هذه الصورة “وثيقة تاريخية” لأناس ياتون بعدنا…من يدري؟!

 

 

نبذة عن الكاتب:

ibrahim-alzayed

ابراهيم الزايد – مطور محتوى الكتروني – المشرف العام لموقع شباب 20

مقالات ذات صله