الزعيم الذي حافظ على عرشه لأكثر من نصف قرن!

الزعيم الذي حافظ على عرشه لأكثر من نصف قرن!

 

بقلم: عمرو عاشور

 

عادل إمام بدأ مشاوره الفني مصادفةً… فقد كان طالبًا بكلية الزراعية، وذات مرة قابل صديقيه صلاح السعدني وسمير الطحاوي أثنا خروجهما من الكلية وهما يحملان عدة أوراق، وعندما سألهما عن سبب رحيلهما المبكر من الجامعة، أخبره السعدني أنهما سيلتحقان باختبارات مسارح التلفزيون، فذهب معهما، ونجح بالاختبار، وهناك تعرف على المخرج كمال الشيخ فأسدي إليه نصيحة يعتبرها الزعيم أنها الأغلي؛ حيث طلب منه أن يتوجه للتمثيل الكوميدي، بعدها التحق بفرقة التلفزيون المسرحية فكان أول ظهور له على المسرح مع فؤاد المهندس وشويكار من خلال مسرحية “سري جداً” عام 1960م بعدها بعامين فقط شارك في مسرحية “أنا وهو وهي” فلعب دور صبي المحامي صاحب الآفيه الشهير “بلد بتاعت شهادات صحيح”، وحين عُرضت المسرحية بالتلفزيون المصري لفت إمام نظر الجمهور بشدة، وأصبح بعدها مطلوبًا بكثرة في الأدوار الثانوية التي أثبت فيها أنه كوميديان بحق. ومن أبرز تلك الأدوار دوره في فيلم مراتي مدير عام مع شادية وذو الفقار سنة 1966م، وفيلم كرامة زوجتي مع نفس الثنائين، وعفريت مراتي سنة 1968م.

 

 

 

أما فيلم “لصوص ولكن ظرفاء” فيعتبر أول بطولة مشتركة له، حيث إنه خرج في هذا الفيلم من دور الكومبارس إلى السنيد، والفيلم كان من بطولة أحمد مظهر وماري منيب ومن إخراج إبراهيم لطفي. وفي عام 1973م قدم مع سعيد صالح وأحمد زكي مسرحية مدرسة المشاغبين، المسرحية لاقت روجاً كبيراً وبشرت بنجوم جُدد، خصوصاً بعد عرضها على الشاشة الصغيرة، في نفس العام تقريباً وقع إمام عقد فيلم البحث عن فضيحة، أول بطولة مطلقة له، وقد شاركه في هذا الفيلم مجموعة كبيرة من النجوم، حيث ضم الأفيش ميرفت أمين، سمير صبري، توفيق الدقني، يوسف وهبي، محمد عوض، جورج سيدهم، عماد حمدي، أحمد رمزي، وغيرهم الكثير، والفيلم اخرجه نيازي مصطفي، وهو آخر فيلم يكتبه أبو السعود الأبياري الذي استطاع أن يوظف كل هؤلاء النجوم من خلال تيمة جديدة على السينما المصرية “الكولاج” – أي الحكايات داخل حكاية كبيرة – مستعينا بشخصية الصديق الذي يدعي معرفته بأحوال الغرام عبر التجارب التي مر بها أصدقائه. وبرغم النجاح الكبير الذي شهده فيلم “البحث عن فضيحة” إلا أن عادل استمر في تقديم الأفلام ذات البطولة الجماعية، ومنها: الشياطين والكورة، الكل عاوز يحب، جنس ناعم، البعض يذهب للمأذون مرتين.

 

 

 

 

 

في آواخر السبعينيات عاد للبطولة مرة أخري مع فيلم إحنا بتوع الأتوبيس وهو أول فيلم سياسي يقدمه عادل أمام كما أنه أول فيلم يتجنب الكوميديا ويتسم بالمأساة وذلك في عام 1979م، في نفس العام عاد للكوميديا مع فيلم “رجب فوق صفيح ساخن” حيث تقمص شخصية رجب الريفي الساذج الذ جاء من قريتهم لشراء محرات فأسقطه حظه السيئ في يد بلبل النصاب – سعيد صالح- الذي يسرق نقوده ويتركه لمدينة لا تعرف الرحمة. وفي نفس العام أيضاً كان التعاون الأول مع لبلبة من خلال فيلم “خالي بالك من جيرانك” ليقدم جرعة كوميدية اجتماعية مختلفة تماماً عما قدمه من قبل.

 

 

 

 

 

التنوع سمة أساسية في أعمال عادل إمام، وربما بفضل تنوعه هذا استطاع أن يحافظ على مكانته لمدة تزيد عن النصف قرن، تمكن في خلال تلك الفترة الزمنية الطويلة أن يحافظ على عرشه. وهو ما عجز عليه من سبقوه في فن الكوميديا، فنجيب الريحاني بشخصيته كشكش بيه الشهيرة لم يصمد أمام علي القصار وشخصيته عثمان عبد الباسط، وعبد الباسط انهار أمام بوقه – إسماعيل ياسين- وإسماعيل تحطم أمام فرقة التلفزيون وفؤاد المهندس، حتي فؤاد المهندس لم يستطع مواجهة إمام، وتبدلت الحال فأصبح المهندس يقوم بأدوار ثانوية في أفلام الزعيم، ونذكر منها: خالي بالك من جيرانك، خمسة باب، وزوج تحت الطلب. أما عادل أمام فهو حالة متفردة في التمثيل، ليس الكوميدي فحسب، ولكن التمثيل بشتي أنواعه، وهو ما يبدو واضحاُ في حقبة الثمانينات حيث خلع عباءة الكوميدي ليقدم لنا أنواع أخري مختلفة، بداية من فيلم الجحيم مع مديحة كامل حيث لعب دور لاعب كاراتيه هارب عام 1980م، في العام نفسه قدم أيضاً غاوي مشاكل مع نورا، وهي قصة حب من نوع خاص.

 

 

 

عام 1981م تشارك مع يسرا فيلم “الإنسان يعيش مرة واحدة” ملحمة إنسانية من الدرجة الأولي. ثم آمهات في المنفي مع ماجدة الخطيب وفي 1981 أيضاً شارك سعاد حسني فيلم المشبوة، ولن ننسي بالطبع فيلم الحريف مع فردوس عبد الحميد واخراج محمد خان – من الجدير بالذكر أن هذا الدور كان يخص أحمد زكي، كما أن فيلم البيه البواب كان مكتوبا في الأساس لعادل إمام- والأفوكادو – حسن سبانخ المحاي العدمي في مواجهة الفساد – مع يسرا وإخراج وتأليف رأفت الميهي، أما مع شيريهان فقد قدم سيمفونية رومانسية فريدة عام 1985م، وفي العام نفسه خرج فيلم الجن والأنس ليطل علينا في دور الجن العاشق!

 

 

كلها أفلام بعيدة عن الكوميديا غير أنها نجحت جميعها، وهو الأمر الذي لم يستطع أحد من نجوم الكوميديا أن يفعله من قبل. ربما يكون فيلم “إنسان غلبان” لاسماعيل ياسين هي المحاولة الوحيدة، وقد فشلت تلك المحاولة تماماً مما اضطر ياسين إلى أن يعود للأفلام التي تعود عليها المشاهد.
حقبة التسعينيات عند عادل إمام يمكن أن نسميها بحقبة الأفلام السياسية، في تلك الفترة تعاون مع وحيد حامد وشريف عرفة فكانت ثمرة هذا التعاون: اللعب مع الكبار، مسجل خطر، الأرهاب والكباب، المنسي، طيور الظلام، النوم في العسل.

 

 

 

 

تكمن أهمية تلك الأفلام في أنها أخرجت فن الكوميديا من السطحية – مجرد شخصية ساذجة تسقط في ورطة يعقبها عدة ورطات- إلى الجدية والقدرة على مناقشة القضايا الهامة. وهي الأفلام التي جمعت بين حب الجمهور وإشادة النقاد. بين إيرادات الشباك وحصد الجوائز، أي أنها حلت المعادلة الصعبة! ومن خلال تلك الأفلام أيضاً قدم عادل إمام نجوم الكوميديا الشباب، هنيدي، علاء ولي الدين، أحمد آدم، أشرف عبد الباقي، علاء مرسي الذين أصبحوا نجوم الشباك مع مطلع القرن العشرين. ولكن، هل أدي نجاح هنيدي وعلاء ولي الدين إلى هز عرش الزعيم؟ ربما تكون الأجابة معروفة مسبقاً، ففي عز نجاح هنيدي مع سعيد حامد ومدحت العدل وفي عز نجاح علاء ولي الدين مع شريف عرفة كان الزعيم على عرشه مستمراً في تقديم الأفلام وإن كان أغلبها مع يوسف معاطي، مثل: التجربة الدنماركية، عريس من جهة أمنية، السفارة في العمارة، مرجان أحمد مرجان، حسن ومرقص.
هذا النجاح لم يقتصر على الشاشة الكبيرة فحسب وإنما له جذور أيضاً في المسرح، والزعيم الذي حصل على لقبه من مسرحية الزعيم، والتي استمر عرضها على مسرح الزعيم لمدة 6 سنوات، يسبقها مسرحية الواد سيد الشغال والتي عُرضت لـ 8 سنوات متتالية.

 

 

 

أما مسرحية شاهد ماشفش حاجة فقد ظلت تعرضت لمدة 7 سنوات، ومسرحية “بودي جارد” صاحبة أطول مدة عرض في تاريخ المسرح المصري وربما العالمي 11 سنة على التوالي.
وحين هبطت السينما بسبب الثورات والأزمات والظروف الأمنية، واتجه نجوم الشباك إلى الشاشة الصغيرة، وتنافسوا على الأجور والمشاهدة وعروض القنوات، ظل الزعيم على عرشه بلا منافس فهو صاحب الأجر الأعلي والأكثر مشاهدة وقد قدم خلال تلك الفترة: فرقة ناجي عطا الله، صاحب السعادة، العراف، أستاذ ورئيس قسم، مأمون وشركاه، عفاريت عدلي علام، وأخيراً عوالم خفية.

 

 

 

 

لقد استطاع هذا الفنان المتفرد أن يحافظ على عرشه لأكثر من نصف قرن بفضل موهبته ووعيه وتنوعه، وقد قدم لنا أكثر من 125 فيلم و15 مسلسل و11 مسرحية من أجمل الأعمال التي أثرت فينا وتركت بداخلنا بهجة وضحكة من القلب.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله