“بلاها شبكة” حملة مصرية للتخفيف من تكاليف الزواج

“بلاها شبكة” حملة مصرية للتخفيف من تكاليف الزواج

كثيرة هي القلوب التي كسرت وانفطرت أمام حاجز الإمكانيات المادية، فيتبدد وهج الحب أمام بريق الذهب، وتحزن النفوس أمام شرط الفلوس! وفي ظل ظروف اقتصادية طاحنة، وتقاليد عائلية تبالغ في الشروط والمطالب، ظهرت حملة «بلاها دهب.. بلاها مصاريف»، التي أطلقها أحد الشباب المصريين للمساهمة في التخفيف من أعباء الزواج عن الشباب المصري.. فكيف ولدت؟ وكيف استقبلت؟ وما حظوظ نجاحها؟
المحرر/ القاهرة – هاجر عثمان، الصور/ المصدر

«شباب 20» التقت مؤسس الحملة، جمال أبو جبل، 26 عاماً، ويعمل مدرساً ثانوياً لمادة علم النفس والاجتماع والفلسفة، فقال: حملتنا تستهدف مصلحة الفتيات وحمايتهن من العنوسة، في ظل الشروط المبالغ بها من قبل الأهالي، استوحيناها من حملة «بلاها لحمة» التي دشنها آلاف من المواطنين المصريين، رفضاً لاستغلال الجزارين ورفعهم أسعار اللحوم في الأعياد خصوصاً، كتعبير منا عن رفض فكرة استغلال بعض الأهالي للشباب الذين يتقدمون لطلب الزواج من بناتهن، فيغالون في المهور ومصاريف الزواج التي تتضمن شبكة بقيمة 30 ألف جنيه، وشقة «تمليك»، أي يتجاوز سعرها 250 ألف جنيه، إذ يرفضون السكن بالإيجار، بحجة الخوف على مستقبل بناتهم، إلى جانب الفكرة السائدة بأن يوقع العريس على ورقة يتنازل فيها عن كل ما هو موجود في الشقة، تصير «وصل أمانة» بيد أهل العروس! جمال-ابو-جبل
ويضيف: المؤسف فعلاً أن يتحول الزواج إلى مجرد عملية بيع وشراء، فتتحكم المادة بكل شيء، ويتوهم الأهالي أنهم بذلك يؤمنون مستقبل ابنتهم، فيما عليهم التدقيق في أخلاق زوج المستقبل، وليس ممتلكاته وأسعار الأثاث.
وهاجم أبو جبل وسائل الإعلام والدراما لأنها تلعب دوراً مؤثراً في تكريس صورة خاطئة عن الأسرة المصرية، وترفع سقف طموحات المواطنين، ليصطدموا لاحقاً بواقعهم المرير، إذ بالكاد يحظى الشاب المصري بعمل مستقر، فمن أين له أن يوفر كل هذه الشروط؟!
وعن تهجم بعض الفتيات على الحملة، على خلفية خوفهن من أن يضيع «حقهن» في الحصول على «الشبكة »، قال: الحملة لا تستهدف إلغاء الشبكة، بل تطالب بأن تكون رمزية، في حدود 5 آلاف جنيه مثلاً، وأن تكون مصاريف الزواج بالشراكة بين العروسين، وعدم اشتراط إقامة حفل الفرح في أفخم فنادق العاصمة، والاكتفاء بالأثاث الضروري، بدل ملء الشقة بما لا يلزم، تقليداً للغير.
ولنشر فكرته هذه، يستهدف أبو جبل شريحة الأهالي والعائلات، كونها الأكثر تأثيراً في الشباب في ما يخص الزواج، ويعمل على تنظيم حملات جماهيرية في الشوارع ومراكز الشباب، والاستعانة بالمثقفين والفنانين لعقد ندوات شعبية في المحافظات المختلفة، بهدف التوعية والتنوير، والتعاون مع دعاة الدين لنشر الفكرة عبر منابرهم، خصوصاً في الأقاليم والقرى، التي رغم فقر الحال فيها تثقل الأسر فيها كاهل الشباب بالمطالب وتحملهم الديون!

الشباب بين الرفض والحماسة
أحمد سعيد، 28 عاماً: هذه الحملة مفيدة للشاب الذي تحول دون زواجه عراقيل والتزامات مادية ضخمة، مع تقديري لتخوف الأسرة على ابنتهم، واعتبارهم أن طلبات الشبكة والشقة التمليك والمؤخر هي «ضمانات»، في حال الطلاق، لكنها تتحول في الغالب إلى «استثمار» وليس زواجاً، ويصل الأمر إلى المنافسة بين الفتيات. هذه الشروط تحول الزواج إلى غش وعبث مجتمعي. وأنا أوافق على هذه الحملة، لأن المادة متى دخلت في علاقة إنسانية أفسدتها، وهذا ما يفسر نسبة الطلاق المرتفعة في السنة الأولى من زواج الشباب.
ديفيد سليم، 26 عاماً: لا أظن أنني سأتزوج قبل بلوغي 32، في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها كل شاب. هذه الحملة يجب أن تصل إلى الأهالي المتمسكين بالشكليات، لإقناعهم بأهمية تخفيف الأعباء على الشباب، فخطيبتي متفهمة جداً، وترفض المبالغة، وهي مؤمنة بالشراكة بين الزوجين، وبأن نقيم في شقة بالإيجار.

جمال-ابو-جبل6

 

أرفض المغالاة
إسراء فوزي، طالبة في كلية العلوم: أرفض المغالاة في شروط الزواج، ووالدي لم يشترط مصاريف و«شبكة» لزواج أخواتي الأربع، بل أكد لكل «عريس» أنه يدرك جيداً ظروف الشباب. من تحفظاتي على شروط الزواج ما يسمونه «النيشِ،» والكثير من الأدوات والأثاث غير الضروري، وأنا أرفض أن أبدأ حياتي بمظاهر بعيدة عن جوهر العلاقة الزوجية الناجحة.
يمن إلهامي، كلية الإعلام: والدي قال لخطيبي بشكل مباشر: «الشبكة هي هديتك للعروس، وأنت تقدرها كما تريد»، فلم يفرض عليه رقماً، لعلمه بأنه شاب في بداية حياته العملية. اقتناع الأهالي بأهمية حملة «بلاها شبكة» سيزيل الاحتقان الذي يتكون يوماً بعد آخر بين العريس وأهل العروس، إذ يختنق من كثرة طلباتهم ويخرج ضيقه بشحنات غضب تجاه خطيبته في الكثير من الأحيان، فينتهي الزواج بالفشل.

تحرمني حقوقي!
هدى فهمي، 25 عاماً: أنا ضد هذه الحملة، إذ تهدر حقوق الفتاة لدى الزوج الذي يمكن أن يسيء معاملتها بعد الزواج. فإذا كانت غالية وضحى من أجلها ولبى رغباتها، يعني أنه جدير بها، أما إذا وافق الأهل بدون شروط، فلن يقدر تضحيتهم هذه، بل سيتعامل مع الفتاة طوال حياته على أنها «رخيصة»، ما يعرضها باستمرار للإهانة والاستخفاف، ويجعلها عرضة لأن يتزوج عليها!
ياسمين علي، 26 عاماً: الشبكة هي أغلى هدية تريدها العروس، وتعرف من خلالها كم يقدرها خطيبها، وما إذا كان مستعداً للتضحية من أجلها، فيدفع «الرقم» الذي تريده للشبكة! أما تكاليف الزواج فأمر مطلوب من العريس، وأنا أرفض العيش في شقة بالإيجار، حين يطلب الأهل شقة تمليك لابنتهم، لا يضغطون على العريس، بل يريدون ضمان حياة مستقرة لابنتهم، وهذا من حقهم وحقها بالتأكيد.

 

الاهتمام بالمظهر

جمال-ابو-جبل3
د.سامية صالح

د. سامية صالح، أستاذ علم الاجتماع في كلية الآداب جامعة عين شمس، قالت: هذه النزعة المادية التي طغت على العلاقة الزوجية، والتي تتمثل في الطلبات المبالغ فيها، هي جزء من منظومة اجتماعية أصبحت لا تقدر قيمة العمل، وتعزز فقط كل ما هو ظاهر وبراق، حتى ولو كان مزيفاً! في السابق كان المجتمع المصري يقدر قيمة الرجل الذي يبني مستقبله بطريقة عصامية ومشرفة، وكانت الفتاة شريكاً له في بناء منزل الزوجية الجديد، والحالة الاجتماعية والميديا ومؤسسات الدولة كانت كلها تدعم هذا الاتجاه. لكن التحول الذي أصاب المجتمع المصري، وفتت قيمه الاجتماعية، وهجرة المصريين للعمل، ثم عودتهم بأفكار مادية، جعلت الطلبات تراوح بين الذهب والمهور المرتفعة والأثاث الفاخر والوحدات السكنية الفخمة، فصار العريس كأنه يشتري بضاعة ثمينة، وتحولت مؤسسة الزواج إلى شركة تجارية تزوج الأسرة ابنتها لمن يدفع أكثر! هذه الظروف زالت اليوم، فبات على الأسر المصرية تغيير نظرتها وفقها، ولاسيما مع البطالة التي يعاني منها حوالي 10 ملايين شاب.

 

جمال-ابو-جيل4
د.زينب مهدي

سلاح ذو حدين
د. زينب مهدي، استشاري أسري ومعالج نفسي، قالت: يمكن لهذه المبادرة أن تستخدم كسلاح ذي حدين، سلبي يستغله بعض الرجال المقتدرين مادياً، فلا يعطون العروس حقها في المهر أو الشبكة أو في توفير مسكن ملائم، فيصبح الزواج عندهم أمراً سهلاً والفتاة رخيصة، لدرجة أن يتزوج أحدهم بأكثر من زوجة، فنكون أمام مشكلة جديدة هي تعدد الزوجات. أما الجانب الإيجابي فهو أنها تدق جرس الإنذار للأهالي الذين يتمسكون بشروط مبالغ فيها لا يتمكن أي شاب في مقتبل العمر من توفيرها. هذه المبادرة تسهم في التصدي للعادات والتقاليد الخاطئة، ولاسيما أن لإعاقة فرص الزواج أضراراً سلبية على الفتاة والشاب، كارتفاع نسب العنوسة، والكبت الجنسي الذي يؤدي إلى ارتفاع معدلات التحرش، فضلاً عن انخراط بعض الفتيات في علاقات غير شرعية.

 

توافق الشريعة

جمال-ابو-جبل-5
د.حامد ابو طالب

د. حامد أبو طالب، عميد كلية الشريعة والقانون الأسبق، وعضو مجمع البحوث الإسلامية، قال: هذه المبادرة من الشباب العاقل تحقق هدفاً سامياً، وخصوصاً أن من أهم معالم عقد الزواج في الإسلام التيسير على الخاطبين. وبرأيي أن المناشدة الحقيقية يجب أن تكون لأولياء الأمور، كي يؤيدوا هذه المبادرة وينفذوها، فيكونوا قدوة صالحة للشباب، ولاسيما في الظروف التي تعيشها مصر. فتبادل العروسين المودة والرحمة، أهم كثيراً من تبادل الطلبات المادية!

 

جمال-ابو-جبل7
د.جمال فرويز

النتيجة: تحرش وعنوسة
د. جمال فرويز، استشاري الطب النفسي في جامعة القاهرة، قال: قد تنجح هذه الحملة في الأوساط الاجتماعية المتوسطة اقتصادياً، حيث يتفهم الناس الأزمات التي يمر بها الشباب في مصر، لكن الأوساط الاجتماعية الراقية سترفضها، إذ اعتاد أبناؤها أن يعيشوا في مستوى اجتماعي ومادي معين، ولديهم حقيبة من المطالب لا يمكن التخلي عنها، لأنها تعكس صورتهم وقوتهم الاجتماعية.
الشروط المبالغ فيها ترتب آثاراً نفسية سلبية عند الشاب والفتاة، منها الإصابة بحالة اغتراب عن المجتمع، وشعور بالنفور والكره تجاهه، فضلا عن الانسحاب إلى عالم المخدرات والإدمان، والأمراض الاجتماعية المنتشرة، كالتحرش الجنسي. تحويل الأهالي الزواج إلى عملية تجارية، يؤدي إلى ارتفاع نسبة العنوسة التي وصلت إلى 8 ملايين فتاة عانس، أي 40 ٪ من مجموع الفتيات في سن الزواج، وهذا خطير على التركيبة النفسية والاجتماعية للفتاة.

 

مقالات ذات صله