ركن علانية القذف بين القانون المصري والشريعة الاسلامية

تمهيد وتقسيم :

من المعلوم أن القانون لا يمكن أن يعاقب على الأفكار والآراء مهما بلغت صفتها الإجرامية طالما أنها لم تتجاوز حد الفكر، فإذا ما أعلن الجاني هذه الأفكار طبقا لما اشترطه القانون نشات الجريمة وبالتالي تنشأ مسؤولية فاعلها. ولذلك فإن الشارع المصري قد اهتم  بدراسة ركن العلانية بوصفها الأساس الذي يقوم عليه جرائم النشر بصفة عامة. وجريمة القذف بصفة خاصة وقد اعتبر الشارع أن ركن العلانية هو المميز لهذه الجرائم سواء كان ذلك في القانون أو في الشريعة الإسلامية.

وواقع الأمر أن خطورة جريمة القذف تكمن في اعلان عبارات القذف بحيث يعلم بواقعة القذف الموجهة الى المجني عليه كثير من الناس . ولهذا فإن العلانية هي التي يتولد عنها الخطر وينشأ عنها الضرر في جريمة القذف، ومن هنا يكمن القول أن ركن العلانية إذن يعتبر عنصرا ضروريا وجوهريا في جريمة القذف وقد نص عليه القانون وحدده، وأن انتفاء هذا الركن ينفي معه جريمة القذف .

ولما كان ركن العلانية هو المميز لجريمة القذف فسوف أتناوله في مبحثين :

المبحث الأول :  في مدلول العلانية .

المبحث الثاني :  في طرق العلانية.

المبحث الأول

مدلول العلانية

1-المقصود بالعلانية :

في القانون:

تعني العلانية مكاشفة شخص عما يريده ليعلم به شخص آخر. بمعنى آخر العلانية هي أن يصل الى علم الجمهور أمورا أو وقائع معينة اتصالا حقيقيا أو حكما .  وفي نطاق جريمة القذف تعنى العلانية اتصال عبارات القذف الى علم الجمهور اتصالا حقيقيا أو حكميا. ويقصد بالجمهور هنا أفراد غير معينين لا توجد بينهم وبين المجني عليه صلات مباشرة كالقرابة والصداقة وغيرها . ويرتبط ركن العلانية بعلة تجريم القذف وخطورته، فخطورة جريمة القذف تكمن في اعلان عباراته المشينة إلى جمهور من الناس غير معينين، فخطر القذف وضرره ينشأ من العلانية التي تلحق بعبارته .

في الشريعة الإسلامية :

ويقصد بالعلانية في الشريعة الإسلامية اظهار القاذف لعبارات القذف أمام العدد الذي تسمح به الشريعة الاسلامية في إثبات هذه الجريمة وهو هنا رجلين عدلين . على ألا يكون بينهم وبين الجاني أي صلة تمنعهم من أداء أقوالهم في الشهادة. وبذلك يتفق القانون مع الشريعة الاسلامية في العلانية. كما أنه يجوز في الشريعة الإسلامية أن تتوافر العلانية أمام أي عدد من الأفراد كما هو الحال في القانون.

2-أنواع العلانية :

العلانية قد تكون عامة وقد تكون نسبية، والعلانية العامة هي التي قررها القانون لكل جرائم النشر بما فيها جريمة القذف، سواء ما وقع من هذه الجرائم على أحاد الناس بصفتهم الخاصة أو العامة، أو ما كان موجها ضد نظم الدولة وأمنها ومصالحها، فالعلانية التي يتطلبها قانون العقوبات المصري للعقاب على جريمة القذف الواقع على آحاد الناس هي نفس العلانية التي يتطلبها لتحقق جريمة من جرائم النشر الواسعة النطاق، كالتحريض على قلب نظام الحكم. أما العلانية النسبية والتي تتحقق فيها جريمة القذف بقدر محدود من العلانية، فهي تتحقق بمجرد حصول القذف أمام الشهود أو أن يعلم به عدة أشخاص

وقد عرفت الشريعة الاسلامية العلانية النسبية، فتتحقق العلانية في جريمة القذف في الشريعة الاسلامية بمجرد أن يحصل أمام الشهود أو أمام أي عدد يمكن أن تثبت بهم جريمة القذف.

وقد تكون العلانية فعلية كما قد تكون حكمية والعلانية الفعلية هي: أن يعلم جمهور الناس بالعبارات المشينة بغض النظر عن الطريقة التي يتم بها هذا العلم. أما العلانية الحكمية : فهي التي يفترض القانون تحققها إذا ما تحققت قرينة نص عليها القانون كما هو الحال بالنسبة للمادة 171 من قانون العقوبات المصري. وفي فرنسا نص على هذه العلانية في المادة 27 من قانون الصحافة الفرنسي الصادر سنة 1881 حيث نصت هذه المادة على أنه ” كل من نشر أو ردد أو أذاع بسوء قصد وبأي طريقة خبرا كاذبا … إذا كان من شأنه تكدير السلم العمومي .

وقد عرفت الشريعة الاسلامية هذا النوع من أنواع العلانية أيضاً، وقد كيفته بطريقة دقيقة، فقد ورد في آية القذف في قوله تعالى: ” والذين يرمون المحصنات ، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء …. ” . فالقذف يتم إذا رمى القاذف المقذوف بالزنى وعجز عن إثبات ما يدعيه، ولذلك يتم عقابه.

3-كيفية تحقق العلانية في جريمة القذف:

في القانون :

بالرجوع إلى قانون العقوبات المصري نجد أن المادة 302 من هذا القانون والتي عرفت جريمة القذف بقولها: ” يعد قاذفا كل من أسند الى غيره بواسطة احدى الطرق المبينة بالمادة 171 من هذا القانون أمورا لو كانت صادقة لأوجبت عقاب من أسندت إليه بالعقوبات المقررة لذلك قانونا أو أوجبت احتقاره عند أهل وطنه”.  نجد أن هذه المادة قد أحالت على المادة 171 من قانونالعقوبات المصري، حتىيتم العقاب على القذف وجرائم الرأي بصفة عامة، يجب أن يعلم الجمهور بالعبارات المشينة الموجهة إلى المجني عليه، بإحدى الطرق المبينة في المادة 171 عقوبات وقد نصت هذه المادة في فقراتها الثالثة والرابعة والخامسة على أنه: ” يعتبر القول أو الصياح علنيا إذا حصل الجهر به أو ترديده باحدى الوسائل الميكانيكية في محفل عام أو طرق عام أو أي مكان آخر مطروق، أو إذا حصل الجهر به أو ترديده بحيث يستطيع سماعه من كان في مثل ذلك الطريق أو المكان أو إذا أذيع بطريق اللاسلكي أو أية طريقة أخرى.

ويكون الفعل أو الايماء علنيا إذا وقع في محفل عام أو أي طريق عام أو في أي مكان آخر مطروق أو إذا وقع بحيث يستطيع رؤيته من كان في مثل ذلك الطريق أو المكان.

وتعتبر الكتابة والرسوم والصور والصور الشمسية والرموز وغيرها من طرق التمثيل علنية إذا وزعت بغير تمييز على عدد من الناس أو إذا عرضت بحيث يستطيع أن يراها من يكون في الطريق العام أو في أي مكان مطروق أو إذا بيعت أو عرضت للبيع في أي مكان”.

ويضاف إلى هذه الوسائل التليفون، فقد نصت عليه المادة 308 مكرراً من قانون العقوبات بقولها ” كل من قذف غيره بطريق التليفون يعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في المادة 303″ .

ومما تجدر ملاحظته في هذا الشأن أن وسائل العلانية التي نصت عليها المادة 171 من قانون العقوبات المصري قد وردت على سبيل المثال وليست على سبيل الحصر وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض: ” أن القانون نص في المادة 148 من قانون العقوبات القديم المادة 171 من القانون الحالي على أن العلانية في الكتابة والرسوم وغيرها من طرق التمثيل تتوافر متى وزعت بغير تمييز على عدد من الناس أو متى عرضت بحيث يستطيع أن يراها من يكون في الطريق أو في أي مكان مطروق أو متى بيعت أو عرضت للبيع في أي مكان ومقتضى هذا النص أن التوزيع يتحقق قانونا بإعطاء المكاتيب ونحوها إلى عدد من الجمهور بقصد النشر ونية الإذاعة. ووسائل العلانية الواردة بالمادة سالفة الذكر لم ترد على سبيل التعيين والحصر بل جاءت من قبيل البيان والتمثيل. وهذا يقتضي أن يعهد إلى القاضي تقدير توافرها على هدى الامثال التي ضربها القانون. فإذا اعتبرت المحكمة ركن العلانية في جنحة القذف متوافرا لأن المتهم أرسل مكتوبا حاويا لعبارات القذف في حق المجني عليه إلى أشخاص عدة وأنه كان يقصد التشهير بالمجني عليه فإنها تكون قد أصابت في ذلك لأن هذا الذي استندت إليه – فيه ما تتحقق به العلانية في الواقع ما دام المكتوب قد أرسل لأشخاص عديدين وكان مرسله ينوي نشره وإذاعة ما حواه “. كما قضت المحكمة أيضاً بأن: ” طرق العلانية قد وردت في المادة 171 من قانون العقوبات على سبيل المثال لا على سبيل الحصر فإذا أثبت الحكم على المتهم أنه ردد عبارات القذف أمام عدة شهود في مجالس مختلفة بقصد التشهير بالمجني عليه وتم له ما أراد من استفاضة الخبر وذيوعه فإنه يكون قد استظهر توافر ركن العلانية كما هي معرفة به في القانون وذلك بغض النظر عن مكان هذا الترديد .

وكذلك نجد ن العلانية الواردة في المادة 171 عقوبات هي علانية حكمية من ناحية ومن ناحية أخرى علانية فعلية فهي حكمية بالنسبة للطرق التي أوردها المشرع في هذه المادة حيث قال بتحقق العلانية بتلك الطرق. ونجد أيضاً أنها نصت على علانية فعلية لأن الطرق الواردة في المادة وردت على سبيل المثال لا على سبيل الحصر فتقع الجريمة إذا تعمد مرتكبها علم الجمهور بها .

ويشترط في جريمة القذف العلانية حتى ولو لم يعلم المجني عليه بعبارات القذف وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض بأن: ” القانون لا يوجب العقاب على القذف والسب أن يقع أيهما في حضرة المجني عليه بل إن اشتراط توافر العلانية في جريمتي القذف والسب العلني فيه ما يدل بوضوح على أن العلة التي شرع العقاب من أجلها لم تكن في مواجهة شخص المجني عليه بما يؤلمه ويتأذى به من عبارات القذف والسب وإنما هي ما يضار به المجني عليه من جراء سماع الكافة عنه ما يشينه في شرفه وإعتباره. وهذه العلة تتحقق بمجرد توافر العلانية ولو لم يعلم المجني عليه بما رمى به ” . كما أن محكمة النقض الفرنسية قد أشارت بطريقة صارمة إلى قضاة الموضوع بضرورة إقامة شرط العلانية .

ولكي تتحقق العلانية في جريمة القذف يجب أن ترد عبارات القذف من الجاني عن قصد منه وبصورة عمدية بقصد إذاعتها وإعلانها. فلا يكفي لتوافر ركن العلانية في جريمة القذف أن تكون الشكوى التي احتوت على عبارات القذف قد تداولت بين ايدى الموظفين بحكم عملهم بل يجب أن يقصد الجاني اذاعة العبارات المشينة التي اسندها الى المجني عليه. وتطبيقات لذلك قضت محكمة النقض أن ” العلانية في القذف لا تتحقق إلا بتوافر عنصرين: أن تحصل الاذاعة وأن يكـون ذلك عن قصـد من المتهم . فإذا حصلت الإذاعة مـن غير أن يكـون المتهم  ( وهو موظف في شركة ) قد قصدها فلا يجوز مؤاخذته وكان قد شكا أحد زملائه الى مجلس إدارة الشركة وكتب على غلاف الشكوى المرسلة منه كلمة ( سري وشخصي ) ثم أمام المحكمة تمسك بأنه ما كان يقصد اذاعة ما حوته الشكوى من العبارات التي عدتها المحكمة قذفا في حق المشكو بدلالة ما كتبه على غلافها. ولكن أدانته المحكمة في جريمة القذف علنا دون أن تتحدث عما تمسك به دفاعه فإنها تكون قد قصرت في بيان الأسباب التي بنت عليها حكمها  “.

كما قضت المحكمة أيضاً بأنه: ” لا يكفي لتوافر ركن العلانية في جريمة القذف أن تكون عبارات القذف قد تضمنتها شكوى تداولت بين أيدى الموظفين بحكم عملهم بل يجب أن يكون الجاني قد قصد إلى إذاعة ما أسنده إلى المجني عليه ولما كان الحكم المطعون فيه حين تحدث عن ركن العلانية قد اقتصر على القول بأن ركن العلانية مستفاد من تقديم الطاعن لشكواه بما احتوته من وقائع القذف ووصول محتواها الى علم عدد من الناس دون أن يبين كيف انتهى الى ذلك أو أن يتحدث عن دفاع الطاعن المؤسس على عدم توافر ركن العلانية في الدعوى ويستظهر الدليل على أنه قصد إذاعة ما أسنده الى المجني عليه فإنه يكون معيبا بما يستوجب نقضه”.  وفي حكم آخر قضت بأن: ” محكمة الموضوع إذا كانت قد انتهت بناء على اعتبارات ذكرتها في حكمها إلى أن المتهمين بقذف قاض بالمحاكم المختلطة حين طبعا بلاغهما المرفوعة عنه دعوى القذف في مطبعة وأعطيا صورة الى مستحق في الوقف الذي يديره المقذوف في حقه ووزعاه على مستشاري محكمة الاستئناف المختلطة والنائب العام إنما قصدا تبليغ الوقائع التي ضمناها الى جهة الاختصاص ولم يقصدا نشرها على الملأ وإذاعتها وأنه تلك النسخة التي سلماها للمستحق في الوقف لم يكن تسليمها هي أيضاً بقصد النشر لأنها سلمت الى شخص معين وبطريقة سرية وبناء على ذلك لم تعتبر العلانية كما هي مقررة في القانون متحققة في الدعوى فإن المجادلة في ذلك لدى محكمة النقض تكون غير مقبولة ” .

في الشريعة الإسلامية :

يفهم من نصوص الشريعة الإسلامية وما كتبه الفقهاء وجوب أن يكون القذف علنيا حتى تقع جريمة القذف واعتبرت أن القذف إذا تم في غير علانية فهو قد تم في خلوة وبذلك لا يتحقق منه الايذاء وقد جاء في كتب الشافعية أنه يستثنى من القذف ما يكون في خلوة لعدم لحوق العار بالمقذوف. فقالوا بأن القذف إذا تم في خلوة بحيث لا يسمعه إلا الله سبحانه وتعالى والحفظة فلا يعد ذلكمن الكبائر الموجبة للحد لخلو القذف في هذه الحالة من مفسدة الإيذاء وأنه لا عقاب عليه في الآخرة إلا عقاب من كذب كذبا لا ضرر فيه  . أما إذا علم بالقذف غير المقذوف كأن نشره في جريدة مثلا فإن هذا يعد قذفا موجبا للحد.

وقد ذهب رأي أخر من الفقهاء إلى القول بأن القذف في الخلوة يوجب الحد، وقد استدلوا على ذلك بعموم آية القذف ” والذين يرمون المحصنات …. ” وكذلك بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ” اجتنبوا السبع الموبقات ومن ضمنها قذف المحصنات وبذلك فإن القذف الموجب للحد يصدق على المحصنة ولو تم في خلوة بحيث لم يسمعه آخر .

وقد أيد الرأي السابق البعض من الفقاء المعاصرين، فقد ذهب راي الى القول بأن الشريعة الاسلامية لا تشترط العلانية في القذف وذلك لأن الشريعة الاسلامية تزن كرامة الانسان بميزان واحد ولا فرق بين السر والعلن في ذلك الوقت .

وأرى أن الرأي القائل بعدم وجوب العلانية في جريمة القذف اذا تم القذف في خلوة لا يمكن الأخذ به على إطلاقه فلا يؤخذ به إلا في حالة ما إذا أقر القاذف بوقائع القذف أمام القاضي، وفي هذه الحالة تختلف الشريعة الاسلامية عن القانون الجنائي الذي اعتبر العلانية ركن من اركان جريمة القذف يجب توافره مع باقي الأركان حتى تقوم الجريمة في حق القاذف حتى ولو اعترف بالقذف. أما في حالة عدم اقرار القاذف بالجريمة فكلي تقوم الجريمة في حقه يجب توافر العلانية بالقدر الذي يتم به اثبات جريمة القذف في الشريعة الاسلامية حتى يمكن مساءلة القاذف، وذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: لهلال بن امية لما قذف امراته بشريك بن سحماء ” البينة أوحد في ظهرك” .

المبحث الثاني

طرق العلانية

وردت طرق العلانية في المادة 171 من قانون العقوبات المصري كما سبق بيانه. وهذه المادة أحال إليها الشارع عندما نص على جريمة القذف في المادة 302 من قانون العقوبات . ويتضح من نص هذه المادة أن للعلانية طرق ثلاثة وهي: علانية القول أو الصياح. وعلانية الفعل أو الإيماء. وأخيرا علانية الكتابة. وهذه الطرق وردت على سبيل المثال لا على سبيل الحصر . وقد حدد القانون لكل طريقة من طرق العلانية المختلفة شروطاً معينة لا بد من توافرها حتى تنتج أثرها القانوني.

وقد استثنى المشرع من طرق العلانية هذه القذف عن طريق التليفون الذي نصت عليه المادة 308 مكررا من قانون العقوبات حيث نصت الفقرة الأولى من هذه المادة على أن ” كل من قذف غيره بطريق التليفون يعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في المادة 303″ وقد أضيفت هذه المادة بالقانون رقم 97 لسنة 1955، وقد ورد بالمذكرة الإيضاحية لهذا القانون أن إضافة هذه المادة جاء نتيجة لكثرة حوادث الاعتداء على الناس بالقذف والسب بطريق التليفون وإزعاجهم في بيوتهم ليلا ونهارا وإسماعهم عبارات وألفاظ قبيحة، وقد احتمى المعتدون إلى أن المحادثات التليفونية لها طبيعة سرية والى أن القانون لا يعاقب على القذف بطريق التليفون بعقوبة رادعة إلا إذا توافر شرط العلانية وهذا الشرط غير متوافر في نص المادة 308 مكرراً .

وإذا كان القانون قد استثنى القذف بطريق التليفون من شرط العلانية إلا أنه وضع لإثباته طريق معين، نص عليه في المادة 95 مكررا المضافة إلى قانون الإجراءات الجنائية بالقانون رقم: 98 لسنة 1955 والتي نصت على أنه ” لرئيس المحكمة الابتدائية المختصة في حالة قيام دلائل قوية على أن مرتكب إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادتين 166 مكررا و 308 مكررا من قانون العقوبات قد استعان في ارتكابها بجهاز تليفون معين أن يأمر بناء على تقرير مدير عام مصلحة التلغرافات والتليفونات وشكوى المجني عليه في الجريمة المذكورة بوضع جهاز التليفون المذكور تحت الرقابة للمدة التي يحددها” .

وإذا كانت طرق العلانية في القانون المصري لم ترد على سبيل الحصر، ولكنها وردت على سبيل المثال، فإن الوضع في فرنسا يختلف فقد أورد المشرع الفرنسي في المواد من 23 إلى 28 من قانون الصحافة الصادر في 29 يوليه سنة 1881 طرق العلانية على سبيل الحصر. وسوف نوضح ذلك عند الحديث عن طرق العلانية المنصوص عليها في قانون العقوبات المصري.

أما في الشريعة الإسلامية، فإن النص القرآني المجرم للقذف، يسع جميع الطرق التي وردت في القانون، فتصح علانية القذف بالكتابة، إذا أرسل شخص إلى آخر كتابا يحتوي على عبارات قذف وعلم بهذا الكتاب آخرون أو نشره في جريدة أو مجلة فتتوافر بذلك العلانية كما أنها تتوافر أيضاً بالاشارة أو بالرسم الواضح الدلالة على القذف، فإذا كانت الاشارة واضحة فإنها تقوم مقام العبارة في هذه الحالة .  فالشريعة الإسلامية تاخذ بأي طريقة من طرق العلانية في القذف طالما أمكن لهذه الطريقة أن تفصح عن الجريمة.

طرق العلانية :

الطريقة الأولى :  علانية القول والصياح:

نصت الفقرة الثالثة من المادة 171 عقوبات على أنه ” ويعتبر القول والصياح علنيا اذا حصل الجهر به أو ترديده باحدى الوسائل الميكانيكية في محفل عام أو طريق عام أو اي مكان آخر مطروق أو إذا حصل الجهر به أو ترديده بحيث يستطيع سماعه من كان في مثل ذلك الطريق أو المكان أو اذا أذيع بطريق اللاسلكي أو أية طريقة أخرى”.

وبالنظر الى نص هذه الفقرة نجد أن علانية القول أو الصياح لها صور ثلاث وهي:

1-الجهر بالقول أو الصياح أو ترديده باحدى الوسائل الميكانيكية في محفل عام أوطريق عام أو اي مكان اخر مطروق.

2-الجهر بالقول أو الصياح أو ترديده بحيث يستطيع سماعه من كان في الطريق العام أو المكان المطروق.

3-اذاعة القول أو الصياح بطريق اللاسلكي أو أية طريقة أخرى.

الصورة الأولى : الجهر بالقول أو الصياح أو ترديده باحدى الوسائل الميكانيكية في محفل عام أو طريق عام أو اي مكان آخر مطروق.

تتضمن هذه الصورة في حقيقتها صورتين أو فرضين: الأول: هو الجهر بالقول أو الصياح باحدى الوسائل الميكانيكية.  والثاني:  هو ترديد القول أو الصياح باحدى الوسائل الميكانيكية.

الفرض الأول :  الجهر بالقول أو الصياح باحدى الوسائل الميكانيكية.

يعني الجهر بالقول في نطاق جريمة القذف أن ينطق الجاني بعبارات القذف بصوت مرتفع بحيث يستطيع سماع هذه العبارات أشخاص من الجمهور غير المخاطبين بها ممن يوجدون في المكان العام الذي قيلت فيه هذه العبارات .

ويقصد بالقول كل ما ينطق به الجاني ولو كان بعبارات مقتضبه أيا كان أسلوب هذه العبارات شعرا أو نثرا . وبناء على ذلك لا تتوافر العلانية في جريمة القذف إذا جاءت عبارات الجاني بصوت منخفض بحيث لا يسمعها إلا من وجهت اليه حتى ولو كان ذلك في مكان عام لأن علانية المكان لا تكفي وحدها لتوافر جريمة القذف . وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأنه: ” لا يكفي لتوافر ركن العلانية أن تكون العبارات المتضمنة للاهانة أو القذف قد قيلت في محل عمومي بل يجب أن يكون ذلك بحيث يستطيع أن يسمعها من يكون في هذا المحل. أما إذا قيلت بحيث لا يمكن أن يسمعها الا من القي تاليه فلا علانية “.

كما قضت المحكمة أيضاً بأنه” إذا كان الثابت من الحكم أن ما صدر من المتهمة من قولها لأحد المارة في الطريق العام، الليلة دي لطيفة تعال نقضيها سوا لم تجهر به ولم تقله بقصد الإذاعة أو على سبيل النشر أو الاعلان عن نفسها أو عن سلعتها الممقوتة وإنما قصدت أن تنصيد من تأنس منه قبولا لدعوتها التى صدرت عنها في هذه الحدود فإن الفعل لا تتوافر في العلانية المنصوص عليها في المادة 171 عقوبات.

وفي فرنسا فإن المادة 23 من تشريع سنة 1881 اعتبرت أن من طرق العلانية القول والصياح أو التهديدات اللفظية، في مكان عام أو اجتماع عام، على ان يكون ذلك بصوت مرتفع وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض في فرنسا بأن ” الأقوال المتضمنة قذفا أو سبا حتى المنطوق بها في مكان عام لا تكون جنحة القذف أو السب العلني ما لم تكن قد أعلنت فيه بصوت عال وبكيفية يمكن معها سماعها في نفس الوقت من عدد كبير أو قليل من الأشخاص”. ولكن القضاء في  فرنسا قد سلم باعتبار ان الكلام المرتب اللهجة في المحادثة العادية لكي يعتبر ممثلا لجنحة قذف أو سب فإنه يكفي فيه أن يسمعه شخص ثالث .

ويقصد بالصياح، بالصوت الذي يكون له معنى متعارف عليه بين الافراد ولو لم يكن هذا الصوت مركبا من ألفاظ واضحة .  ولكن يجب عدم التغالي في إشتراط الجهر بالقول أو الصياح لأن القانون إشترط هذا حتى لا يؤاخذ الناس على ما يدور بينهم من أحاديث خاصة. فإذا قيلت العبارات في صورة حديث عادي يستطيع أن يسمعه من يكون في المكان أو ماراً به فإن الجهر الذي يتطلبه القانون يكون متوافرا في ذلك .  وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض في فرنسا بأن ” الكلام الذي يدور في محل عمومي على سبيل الحديث العادي يقع تحت طائلة العقاب إذا كان من الممكن سماع بعض الأفراد له .

الفرض الثاني: ترديد القول أو الصياح بإحدى الوسائل الميكانيكية:

استحدث المشرع المصري هذه الوسيلة عند تعديل قانون العقوبات سنة 1931 نظرا لتقدم المخترعات الحديثة التي يمكن ان يستعان بها في النشر .

وتعني هذه الوسيلة أن يستعين الجاني ابحدى الوسائل الميكانيكية التي تستخدم في تكبير الصوت ويتحدث فيها بصوت منخفض وهي التي تؤدي الى رفع الصوت بحيث يكون مسموعا في ارجاء المكان. ويستطيع أن يسمعه عدد كبير من الأشخاص بغير تمييز في هذا المكان.  والوسائل الميكانيكية هذه قد تكون الميكروفون أو الجرامافون، أو الراديو، أو السينما الناطقة أو أي وسيلة أخرى يقدمها العلم يكون من شأنها أن تؤدي الى رفع الصوت بحيث يستطيع أن يسمعه الأشخاص المتواجدون في المكان العام المتواجد فيه هذه الوسيلة .

وفي فرنسا لم يرد بنص المادة 23 من قانون الصحافة الصادر في 29 يوليو سنة 1881 اشارة الى هذه الوسيلة الخاصة بترديد القول أو الصياح بالوسائل الميكانيكية. ولكن جرى العمل على الأخذ بهذه الوسيلة قياسا على ما هو متبع بشأن ترديدها بالأصوات الطبيعية. وتطبيقاً لذلك قضى في فرنسا بأن “العرض السينمائي الذي يجري علنا والمردد أقوالا أو رسوما أو صورا فوتوغرافية يكون عنصر العلانية الداخلة ضمن نصوص قانون الصحافة”. وقد تدارك المشرع الفرنسي هذا النقص فأصدر تشريع سنة 1985 الذي بموجبه تتوافر العلانية والنشر بكل وسائل الاتصال السمعية والمرئية الأخرى.

ويجب أن يكون الجهر بالقول أو الصياح أو ترديد ذلك بإحدى الوسائل الميكانيكية في محفل عام، أو طريق عام، أو اي مكان آخر مطروق. فماذا يعني المحفل العام، والطريق العام، والمكان المطروق.

1-المحفل العام:

المحفل العام يقابله في النص الفرنسي الاجتماع العام ويقصد بالمحفل العام: الاجتماع العام الذب يحضره عدد كبير من الأشخاص لا توجد علاقات خاصة بينهم، مع اباحة انضمام أي فرد إلى هذا الاجتماع دون توجيه دعوة شخصية اليه، على أن يكون اجتماع الأفراد قد تم في هاذ المحفل العام بناء على عادات عارضة كالاحتفالات الانتخابية أو الدينية التي تقام في السرادقات أو كان الاجتماع للاستماع الى خطاب سياسي أو الاحتفال بعرس أو مولد.

وفي فرنسا فإنه توجد بعض الاجتماعات العامة بطبيعتها، مثال ذلك اجتماعات هيئة القانون العام، وكذلك اجتماعات المجالس البلدية . وتوجد اجتماعات اخرى يمكن ان تكون عامة، ويمكن أن تكون غير عامة بحسب العدد وصفة المجتمعين بها وما اذا كانت محددة أو غير محددة .  ففي الاجتماع الذي لا يمكن أن يحضر فيه الا اعضاء مجموعته، لا يكون عاماً أيا كان عددهم . وعلى العكس من ذلك فإن الاجتماع يأخذ صفة العمومية ويصبح له صفة المكان العام، بمجرد أن يكون هناك أشخاص اجانب يمكن لهم أن يسمعوا الحديث مهما كان عددهم .

ولم يُعرّف قانون العقوبات المصري الاجتماع العام. ولكن بالرجوع الى قانون الاجتماعات والمظاهرات رقم 14 لسنة 1923 وهو من القوانين التي تعد مكملة لقانون العقوبات. نجد أن المادة الثانية من هذا القانون قد نصت على أنه” يعتبر من الاجتماعات العامة فيما يتعلق بتطبيق هذا القانون كل اجتماع في مكان أو محل عام أو خاص يدخله أو يستطيع دخوله أشخاص ليس بيدهم دعوة شخصية فردية.

على أن الاجتماع يعتبر عاما اذا راى المحافظ أو المدير أو سلطة البوليس في المركز أن الاجتماع بسبب موضوعه أو عدد الدعوات أو طريقة توزيعها، أو بسبب أي ظرف آخر ليس له الصفة لاجتماع خاص”.

ويتضح من نص هذه المادة أن الاجتماع العام هو الذي يباح الاشتراك فيه للكافة دون توجيه دعوة شخصية لأحدهم، بصرف النظر عن مكان انعقاده سواء كان في محفل عام أو خاص، كذلك يعتبر الاجتماع عاما بالنظر الى موضوعه او عدد الدعوات أو طريقة توزيعها، ومن هذه الفكرة بالنسبة للاجتماع العام يمكن القول أن الاجتماع الخاص أو المحفل هو الذي يتم بناء على دعوة عدة أشخاص لحضوره على أن يكون ذلك باتفاقهما، ووجود صلات بينهما، فهو اجتماع تراعى فيه شخصية أعضائه . وينتفي منه عنصر اباحة انضمام اي شخص اليه كما هو الحال في الاجتماع العام. ومن قبيل الاجتماع الخاص اجتماع افراد الاسرة، أو اجتماع الاصدقاء لسهرة، أو حفلة عرس كانت فيها الدعوة شخصية، أو اجتماع مجلس ادارة شركة، أو إذا كانت توجد بين المجتمعين رابطة الانتماء الى معهد علمي.

ولا تتوقف صفة العلانية في القذف على المحفل العام والمحفل الخاص على طبيعة المكان الذي يعقد فيه هذا الاجتماع، فقد يعقد اجتماع خاص في محل عام، وقد يعقد اجتماع عام في محل خاص. وفي حكم لمحكمة النقض المصرية قضت فيه بان ” كل اجتماع يحصل في محل خصوصي يعد عموميا ان كان الدخول فيه مباحا بمقتضى عوائد محليه، فالاجتماعات التي تحصل في الأفراح بالقطر المصري تعد مجتمعات ومحافل عمومية بحسب عوائد الأهالي وطباعهم وكل قذف يحصل في هذه الاجتماعات يعتبر أنه حصل في محافل عمومية وحينئذ يعتبر قذفا في محفل عمومي، قول الزوج في الفرح أنه وجد زوجته ثيبا” . ولا يكفي لتوافر علانية القول والصياح في جريمة القذف أن تكون العبارات المتضمنة لهذا القذف قد قيلت في محفل عام، أو في محفل خاص يأخذ صفة العمومية، بل يجب أن يسمع هذه العبارات من يكون في المحفل، فإذا لم يسمعها سوى من وجهت إليه فلا تتوافر العلانية .

وإذا كان قانون الاجتماعات قد أورد عدة اعتبارات في التفرقة بين الاجتماع العام والاجتماع الخاص، كموضوع الاجتماع أو عدد الدعوات، وطريقة توزيعها، أو اباحة دخول هذا الاجتماع، فإنني أرى أن هذه الاعتبارات ما هي إلا إرشادات يستعين بها قاضي الموضوع، وله أن يختار من بينها ما يتماشى مع الواقعة المعروضة عليه في التفرقة بين المحفل العام والاجتماع الخاص .  ويفهم هذا من أحكام محكمة النقض، حيث أنها لا تكتفي بتوافر رابطة معينة بين أفراد المحفل لاعتباره خاصا، ولكنها تركت لقاضي الموضوع تقدير ذلك وتطبيقا لذلك قضت المحكمة بأنه ” إذا كانت المحكمة قد حصلت قيام العلانية من أن المتهم القى خطابه الذي يتضمن العيب في جمع من الناس ( أعضاء اتحاد خرجي الجامعة ) ولم ترقى الرابطة التي تربطهم بعضهم ببعض ما ينفي وصف العلانية عن هذا الخطاب فهذا الفهم من جانبها سائغ وتحصيله في حدود سلطتها”.   وأن ما يأخذه الطاعن على هذا الحكم فيما يتصل بالعلانية لا أساس له لان قانون العقوبات لم يحصر طرق العلانية في المادة 171 من قانون العقوبات على سبيل الحصر وإنما جاءت على سبيل المثال.

2-الطريق العام :

نصت الفقرة الثالثة من المادة 171 من قانون العقوبات على ان علانية القول والصياح الذي يتم ترديده باحدى الوسائل الميكانيكة في القذف تتوافر ايضا إذا تم ذلك في الطريق العام. فماذا يقصد بالطريق العام؟ .

يقصد بالطريق العام في ركن العلانية: كل طريق يباح للكافة من الناس ان تطرقه وتمر منه، بصفة مطلقه بدون قيد أو شرط في كل الأوقات سواء بالليل أو بالنهار، إذن فالعبرة بعلانية الطريق هو بكونه مفتوحا لمرور الجمهور. فالعلانية تستمد توافرها من عمومية الطريق. وقد عرفته محكمة النقض بأنه هو المكان العمومي بطبيعته.

ومن التعريف السابق يمكن القول بأن الطريق العام، يمتاز بأنه في الغالب تكون العلانية فيه مطلقة، ودائمة لأن للكافة حق المرور فيه، في جميع الأوقات، سواء كان بالليل أو بالنهار، فهذا الطريق قد يقل المارة فيه أو يكثرون ففي كل الأحوال لا نقطع إحتمال مرورهم في هذا الطريق. ومع ذلك فقد يقفل الطريق العام في بعض الأوقات من اليوم ويفتح في أوقات أخرى، فإن العلانية تتحقق في الأوقات التي يفتح فيها الطريق العام للجمهور. أما إذا أغلق الطريق العام في وجه الجمهور بصفة دائمة فلا تتوافر العلانية به .  كما أنه قد تفرض رسوم صيانة للمرور من الطريق، أو تصاريخ خاصة فإن هذا لا يؤثر في توافر صفة العلانية طالما أن استعمال هذا الطريق العام لا يقتصر المرور فيه على فئة معينة من الأفراد .  أما إذا كانت الأحوال السابقة تؤدي الى منع الكافة من المرور في الطريق واتقصر المرور على فئة معينة، فتقدير العلانية هنا يخضع لتقدير قاضي الموضوع من حيث اعتباره مكانا مطروقا .

ولكن ما هي الطرق التي يصدق عليها وصف الطريق العام ؟

لا ينصرف الطريق العام في العلانية إلى نوع معين من الطرق بل يصدق وصف الطريق على مطلق الطريق، من شوارع وميادين وأزقة وحواري وكل السبل المستعملة من قبل الجمهور في توصيله من مكان الى آخر، سواء كانت هذه السبل داخل المدن أو القرى أو خارجها وسواء كانت طرقا زراعية أو على جانبي الترع والمصارف وسواء كان الطريق معدا للمرور فيه أم لا، فالطريق عام ما دام استعماله غير مقصور على افراد معينين ومحددين .

مما سيق يبين أن العلانية في جريمة القذف تتوافر إذا حصل الجهر بالقول أو الصياح أو ترديده بأحدى الوسائل الميكانيكية، في الطريق العام، إذا كان هذا الطريق مفتوحا للجمهور طالما كان هناك احتمال لسماع هذا القذف ممن يحتمل مرورهم في  هذا الطريق .

3-المكان المطروق :

وأخيرا نصت المادة 171 من قانون العقوبات في فقرتها الثالثة على أن جريمة القذف تتوافر ايضا اذا كان القول أو الصياح أو ترديده باحدى الوسائل الميكانيكية قد تم في المكان المطروق. فماذا يعنى المشرع بالمكان المطروق؟.

يقصد المشرع بالمكان المطروق معنى أوسع وأشمل من المحفل العام والطريق العام، فالمكان المطروق هو كل مكان يحق للجمهور الدخول فيه أو ترددهم عليه سواء كان معدا للجمهور بصفة مطلقة ودائمة، أو بصفة نسبية ومؤقتة.  كما يشمل أيضا الاماكن التي لم تكن مخصصة أصلا لدخول الجمهور فيها أو ترددهم عليها، أو تواجدهم فيه ، ولكنه مع ذلك مفتوح للجمهور يرتاده، أو يمكنه أن يرتاده في حرية بدون أية عوائق .

ويضم المكان المطروق نوعين من الأماكن : الأول :  المكان العام . والثاني:  المكان المفتوح للجمهور.

النوع الأول :  المكان العام :

والمكان العام هو كل مكان معد منذ البداية لدخول الجمهور وارتياده،سواء كان ذلك بصفة مستمرة أو بصفة مؤقتة، وسواء كان بدون قيد أو شرط أو بقيود وشروط محددة . وينقسم المكان العام الى ثلاثة أقسام: المكان العام بطبيعته والمكان العام بالتخصيص، والمكان العام بالمصادفة.

أ)المكان العام بطبيعته:

والمكان العام بطبيعته، هو كل مكان يستطيع الجمهور، دخوله أو المرور فيه في أي وقت سواء بالليل أو بالنهار، ودون قيد أو شرط .  مثاله الطرق والميادين والشوارع والحدائق العامة. والطرق الزراعية. وقد عرفته محكمة النقض بقولها،” هو كل طريق مباح للجمهور المرور فيه في كل وقت وبغير قيد سواء أكانت أرضه مملوكه للحكومة أم للأفراد” .

وتتحقق العلانية في هذه الحالة إذا جهر المتهم بالقول أو الصياح في مكان عام بطبيعته، ولو كان هذا المكان وقت جهره بالقول أو الصياح خالياً من الناس، فيوجد احتمال بأنه قد يسمعه أحد .  ولكن يجب أن يكون الجهر أو الترديد قد حصل بصوت يستطيع أن يسمعه من يكون حاضرا بهذا المكان وتتحقق العلانية هنا بقوة القانون .

ب)المكان العام بالتخصيص:

والمكان  العام بالتخصيص هو المكان الذي يخصص لدخول الجمهور فيه، خلال أوقات معينة، ويُحظر عليه دخوله فيما عدا هذه الأوقات ومواعيد معينة.  مثاله المساجد والكنائس والملاهي، والمتاحف والمطاعم، ومقار المرافق العامة التي تتصل بالجمهور والمسوح بالدخول فيها في أوقات العمل وقاعات المحاكم والمدارس. فإذا حصل الجهر بالقول أو الصياح أو ترديده في مكان عام بالتخصيص يجب أن يحصل ذلك في الوقت الذي يكون فيه المكان مفتوحا للجمهور. ولكن هل يشترط لتوافر العلانية في هذه الحالة توافر جمهور فعلا؟.

ذهب راي الى القول بأن العلانية تتوافر في حالة الجهر بالقول أو الصياح أو ترديده في مكان عام بالتخصيص إذا تواجد جمهور من الناس في هذا المكان وقت الجهر بالقول أو الصياح، لأن المكان لم يكتسب صفة العمومية إلا من تواجد الجمهور بصرف النظر عن عدد الجمهور فالعلانية تتوافر حتى ولو لم يسمع ذلك سوى فرد أو اثنين.

بينما ذهب راي آخر الى القول ان العلانية تتوافر في المكان العام بالتخصيص متى كان الجهر بالقول أو الصياح أو ترديده تم في الوقت المسموح فيه بتواجد الجمهور في هذا المكان وفي الأجزاء المخصصة لذلك، وبصرف النظر عن وجود جمهور أو عدم وجود جمهور في هذا المكان .

وأرى أنه، لا يجب الخلط بين توافر العلانية كركن من اركان جريمة القذف وبين اثبات تهمة القذف على الجاني، فإثبات التهمة على الجاني في حالة الجهر بالقول أو الصياح في مكان عام بالتخصيص يتطلب توافر جمهور من الناس حتى ولو كان شخصا واحدا اما توافر العلانية في هذه الحالة باعتبارها ركن من اركان جريمة القذف فإنها تتوافر بمجرد توافر سببها، فهي هنا تتوافر طالما كان الجهر بالقول أو الصياح أو ترديده قد حصل في الوقت الذي كان فيه المحل العام بالتخصيص مفتوحا للجمهور لأنه في ذلك الوقت يكتسب الفعل صفة العمومية ، وعلى هذا فلا تتوافر العلانية إذا حصل القول في هذا المكان في الوقت الذي لا يصرح للجمهور بالدخول فيه فإثبات حصول الجهر كدليل لاثبات تهمة القذف من جهة وتوافر العلانية كركن قانوني للجريمة من جهة أخرى أمران مختلفان ولا يجب أن يعلق قيام ركن من اركان الجريمة على امكان اثباتها .

ج)المكان العام بالمصادفة:

هو المكان الذي يتصادف وجود أفراد فيه، بصفة عارضة، ولظروف معينة فهو بحسب الأصل مكان خاص ولكنه يكتسب صفة العمومية من تواجد جمهور من الناس في هذا المكان بطريق المصادفة. مثال ذلك: المحلات التجارية والمدارس والحوانيت والمقاهي، وحوش المنزل. فإذا جهر المتهم بالقذف بالقول أو الصياح في مكان عام بالمصادفة فيجب لكي تتوافر العلانية أن يقع ذلك أثناء تواجد الجمهور في هذا المكان لأنه لم يكتسب صفة العمومية إلا من وجود ذلك الجمهور .  وعلى ذلك فإذا صدرت وقائع القذف من الجاني في وقت لم يكن في هذا المكان جمهور من الناس تنتفي صفة العمومية عن هذا المكان، وبناء عليه لا تتوافر العلانية.

ومن أحكام محكمة النقض بالنسبة للمكان المطروق بأنواعه الثلاثة نجد أنها اعتبرت أن فناء المنزل مكانا عموميا – خلافا للأصل – وتطبيقا لذلك قضت بأن ” حوش المنزل هو بحكم الأصل مكان خصوصي، وليس في طبيعته ما يسمح باعتباره مكانا عموميا إلا أنه يصح اعتباره عموميا اذا اتفق وجود عدد من أفراد الجمهور فيه بسبب مشادة حدثت بين طرفين والسب الذي يوجهه أحدهما للآخر حال اجتماع أولئك الأفراد فيه يكون علنيا” .

ويتعين على الحكم أن يبين طرقة تحقق العلانية فإن اغفل الحكم ذلك يكون قاصرا متعينا نقضه وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض بأنه ” وان كانت العلانية قد تتحقق بالجهر بألفاظ السب في فناء المنزل إذا كان هذا المنزل يقطنه سكان عديدون يأمون مداخله ويختلفون الى فنائه بحيث يستطيع سماع الفاظ السب مختلف السكان على كثرة عددهم الا انه اذا كان الحكم المطعون فيه قد اقتصر على القول بأن السب حصل في فناء المنزل الذي تقطنه اكثر من عائلة واحدة دون أن يبين ما اذا كان سكانه من الكثرة بحيث تجعل من فنائه محلا عاما على الصورة المتقدمة فإن يكون قاصرا عن بيان توافر اركان الجريمة التي دان الطاعن بها “. كما اعتبرت المحكمة ان قاعة الجلسة في الوقت المحدد لانعقاد الجلسات من المحال العمومية بالتخصيص والجهر بالقول، أو الصياح في ذلك الوقت يتوافر به ركن العلانية .  وتتوافر العلانية أيضاً اذا جهر المتهم بالقذف في حانوت كواء، وكذلك إذا جهر ناظر المدرسة بألفاظ القذف في مكتبه وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض بأن : ” جهر المتهم بفعل القذف في حانوت الكواء – وهو من أرباب الحرف الذين يفتحون أبواب محلهم للجمهور ويترددون عليه بغير تمييز – وترديد المتهم ذلك في مكتب عمله ( وهو ناظر مدرسة ) في حضور شاهدي الاثبات الغريبين عن مخالطيه في عمله مما يسبغ عليه صفة المكان المطروق وهو ما تتحقق به العلانية كما هي معرفة في القانون “.  وقد اعتبرت المحكمة مكتب تاجر الأدوات الطبية مكانا مطروقا تتوافر به العلانية قانوناً .

كما اعتبرت محكمة النقض أن سلم المنزل لا يكون مكانا عاما الا اذا تصادف وجود عدد من أفراد الجمهور فيه أو كان يقطنه سكان عديدون. وتطبيقا لذلك قضت بأن ” سلم المنزل يقطنه سكان عديدون بحيث يرد على أسماعهم ما يقع الجهر به من سب أو قذف على سلم ذلك المنزل الذي يجمعهم على كثرة عددهم “.  كذلك قضت بأنه يكفي لتوافر العلانية أن يذكر قاضي الموضوع في حكمه أن المتهمة جهرت بألفاظ القذف أو السب وهي تقف على سلم العمارة التي تتكون من تسعة مساكن بصوت يسمعه سكانها ومن يتواجدون منهم على السلم.  كما اعتبرت المحكمة أيضا أن بئر السلم هو من الأماكن التي تتوافر فيها العلانية.

وقد قضت محكمة النقض ” بأن مندرة العمدة هي بحكم الأصل محل خاص فالحكم الذي يعتبر القذف فيها علنيا يجب أن يبين فيه كيف تحققت العلانية وإلا كان قاصرا قصورا يستوجب نقضه وتطبيقا لذلك قضت بأنه ” وحيث أن الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه بالحكم المطعون فيه بعد أن بين واقعة الدعوى بما يفيد حصول القذف من الطاعن بمندرة العمدة بتلاوة عبارة ورقة على مسمع شخصين كانا معه فيها قد تعرض لركن العلانية بقوله فتكون التهمة ثابتة ضده مما ذكر لصدور قوله هذا في مكان تتوافر فيه صفة العلانية وهو فضلا عن ذلك مكان موصوف بأنه مطل على الطريق العام. ولما كانت مندرة العمدة بحكم الأصل محلا خاصا وكان هذا الذي قاله الحكم لا يبين منه كيف تحقق ركن العلانية في واقعة الدعوى بحصول القذف في هذا المكان فإن الحكم يكون قاصرا قصورا يعيبه مما يوجب نقضه “.

وفي فرنسا فقد ساوى المشرع الفرنسي بين الأماكن العامة بطبيعتها مثل الشوارع والميادين والمنتزهات والطرقات العامة .  وبين الأماكن العامة بالتخصيص، مثل الفنادق والمقاهي، والكنائس والمكاتب التي تكون في لحظات معينة مفتوح والى الجميع، وأيضا بين الأماكن العامة بالمصادقة وهي أماكن خاصة كأصل عام ولكنها تصبح ايحانا وبالمصادفة أمكان عامة مثل الأتوبيس أو القطار.

وفي الحالتين الأخيرتين فإن العلانية تكون عنصرا للواقعة التي يجب أن يبحثها ويحققها صراحة حكم الادانة .

النوع الثاني:  المكان المفتوح للجمهور:

وهذا النوع الثاني من أنواع المكان المطروق، وهو المكان الذي يتردد عليه جمهور الناس أو يتواجدون فيه، إما بناء على حق لهم أو تسامح، سواء خضع هذا المكان لملكية الحكومة أو لملكية الأفراد .  وقد أشارت إلى ذلك المذكرة الايضاحية حيث جاء فيها أن المكان ينطبق عليه تعريف المكان المطروق إذا دخله الجمهور بالفعل سواء أكان ذلك الدخول بحق أو بغيره.  يعتبر مكانا مفتوحا للجمهور، المنزل الذي يسمح صاحبه لكل شخص أن يرتاده لتعاطي المشروبات مجانا أو بأجر لمناسبة أو دون مناسبة. والذي يرتاده الجمهور بسبب حادثة ما، وممرات الأفراد والمواشي داخل الحقول الزراعية وكذلك المنزل الذي يقيم فيه صاحبه مزاداً لبيع محتوياته ويسمح للجمهور بارتياد هذا المنزل طيلة فترة البيع.  كما يعتبر من الأماكن المفتوحة للجمهور محلات بيع العلافة والبقالة والخبز.  وفي حكم لمحكمة النقض، اعتبرت ان مكتب رئيس قسم الكهرباء بالسكة الحديد مكانا مفتوحا للجمهور تتحقق به العلانية، ولو كان هذا المكتب – بحسب التعليمات – لا يجوز دخول الجمهور فيه الا باذن يتلقاه الجندي بباب المكتب .

الصورة الثانية :  الجهر بالقول أو الصياح أو ترديده بحيث يستطيع سماعه من كان في الطريق العام أو المكان المطروق

لم تكن هذه موجودة في المادة 148 عقوبات قبل تعديلها سنة 1931 ولقد كان المعمول به فقها وقضاء في مصر قبل هذا التعديل أن العلانية تتوافر اذا تم اثبات ان الجاني قد تعمد اسماع عبارات القذف التي جهر بها الى من هو في المكان العام. فيشترط هنا أن تكون العبارات قد سمعت فعلا فلا يكفي امكان سماعها أو إحتمال سماعها فلا بد أن يكون الجاني قد تعمد اسمعا صوته لمن في الخارج .  وتطبيقا لذلك حكم بان ” العلانية لا تعتبر متوافرة عند حصول السب في محل خصوصي كمنزل إلا اذا سمعت عبارات السب من مكان عمومي فيشترط السماع الفعلي لا امكانه والا احتماله.  وهذا الحكم ينطبق ايضا على القذف.

ولكن بعد التعديل الذي استحدثته المادة 171 عقوبات اصبح من المقرر لكي تتوافر العلانية وجوب أن يجهر المتهم بعبارات القذف في مكان خاص بحيث يستطيع أن يسمعه من يتواجد في مكان عام فالعبرة في توافر العلانية تكون بطبيعة المكان الذي تسمع فيه عبارات الجاني ولم يتطلب المشرع السماع الفعلي للقول والصياح المجهور به، ولكنه اكتفى باستطاعة سماع هذا القول في الطريق العام أو المكان المطروق ولا تتوقف عمومية المكان على وجود افراد به فعلا ولكن تتوافر العلانية ولو كان المكان خاليا من الناس ولم يسمع عبارات الجاني أحدا.

ولم يتطلب المشرع ان يكون استطاعة سماع القول في مكان عام بطبيعته، ولكنه اشار الى تحقق ذلك في جميع انواع الاماكن العامة السابق الاشارة اليها في الصورة الأولى ومن ثم يكفي استطاعة سماع عبارت القذف المجهور به بطريق القول في الأماكن العامة بالتخصيص أو بالمصادفة ولكن يجب ان يتم ذلك في الوقت والظروف التي تتحقق فيها عمومية هذا المكان .

ولكن هل تتوافر العلانية في هذه الصورة اذا جهر المتهم بألفاظ القذف في مكان خاص وسمعها من كان في مكان خصا آخر غير المكان الذي قيلت فيه؟

ذهب رأي من الفقهاء : إلى القول بأن المتهم إذا جهر بعبارات القذف في مكان خصا وسمع هذا العبارات من وجد في مكان خاص آخر، فإن العلانية لا تتوافر في هذه الحالة لأن المشرع تطلب أن يستطيع سماع الألفاظ من يوجد في المكان العام.

وذهب رأي آخر من الفقهاء : إلى القول بأنه يجب أن ننظر الى موقع المكان الخاص الذي تم سماع عبارات القذف فيه من المكان الخاص الحاصلة فيه، فإذا كان بين المكانين طريق عام و كان المكانان يطلان على مكان مطروق كفناء منزل يسكنه أفراد مختلفون مثلا وكان من المحتمل سماع عبارات القذف فيهما وإن لم يكن قد سمع فعلا فإن العلانية تتوافر في هذه الحالة.

وأرى أن الرأي الراجح هو الرأي الأول والقائل بعد توافر العلانية إذا جهر الجاني بألفاظ القذف وهو في مكن خاص وسمع هذه الألفاظ من كان في مكان خاص آخر وذلك لأن المشرع لو أراد أن تتحقق العلنية إذا سمع عبارات القذف من وجد في مكان خاص آخر لنص على ذلك صراحة.

وإذا كانت عبارات القذف تتوافر بالقول أو الصياح أو ترديده في مكان خاص بحيث يستطيع سماعه من كان في الطريق العام أو المكان المطروق، فلا ينبغي أن يوصف ذلك بأنه علني إذا وصلت هذه العبارات إلى من كان في الطريق العام أو المكان المطروق بصفة عارضة أو بالمصادفة وإنما يجب على سلطة الاتهام أن تثبت ان من جهر بالقول او الصياح قد قصد ان يسمعه من يوجد في الطريق العام أو المكان المطروق، فلا يجب أن يتحل الجاني تبعة العلانية اذا لم يقصد أن تتجاوز عبارات القذف حدود المكان الخاص الذي قيلت فيه. أما إذا ثبت أن الجاني قصد أن يسمع عبارات القذف من كان في خارج المكان الخاص فإن علانية القذف تتوافر لديه .

ومن تطبيقات هذه الصورة أنه اذا جهر المتهم بألفاظ القذف أو السب وهو في محل خاص ليسمعها من كان في الطريق العام تتحقق بذلك العلانية. وقد حكمت محكمة النقض بأنه ” متى كان المستفاد مما هو ثابت بالحكم أن المتهم وهو في محل خاص قد جهر بألفاظ السباب ليسمعها من كان في الطريق العام فذلك تتحقق به العلانية طبقا للمادة 171 عقوبات”.  كما قضت ايضا بتوافر العلانية إذا سمع من يمرون في الطريق العمومي الفظ القذف أو السب الصادرة من المتهم وهو في داخل منزله.  كما أنها قضت ايضا بأن العلانية تتوافر اذا حصل القذف أو السب من المتهم وهو فوق سطح منزله على مسمع ممن كانوا في الطريق العام. لأن القانون صريح في أن القول أو الصياح يعتبر علنيا اذا حصل الجهر به في محفل عام أو طريق عام أو أي مكان آخر مطروق، أو إذا حصل الجهر به بحيث يستطيع أن يسمعه من كان في مصل ذلك الطريق أو المكان. كما قضت المحكمة أيضاً بتوافر العلانية متى كان الجاني قد جهر بألفاظ القذف من نافذة غرفته في مسكنه والمطلة على الطريق العام بصوت مرتفع يسمعه من كان مارا فيه .

الصورة الثالثة :  اذاعة القول أو الصياح بطريق اللاسلكي أو أية طريقة أخرى:

جاء النص على هذه الصورة في المادة 171 من قانون العقوبات المصري، وقد استحدثت هذه الصورة عند تعديل نص المادة 148 عقوبات بالمرسوم بقانون رقم 97 لسنة 1931، ويرجع ذلك إلى تقدم وسائل الدعاية الحديثة، وأن هذا التعديل يتماشى مع مقتضيات العصر الحديث.  ويعتبر مكان الجريمة في هذه الحالة محطة الاذاعة أو مكان الارسال.  وإذا كانت المادة 171 عقوبات قد نصت على اللاسلكي فقط الا انها ذكرت أو أية طريقة أخرى، فهذه العبارة تشمل كافة الأجهزة الاذاعية من مسموعة ومرئية.  فإذا كانت الاذاعة اللاسلكية تحقق العلانية بالنسبة للكلام فإن التليفزيون يحقق العلانية بالنسبة للصورة.

وفي فرنسا لم يرد في صياغة المادة 23 من قانون 29 يوليو سنة 1881 اعتبار اذاعة القول أو الصياح بطريق اللاسلكي وسيلة من وسائل العلانية، وهذه المادة أوردت وسائل العلانية على سبيل الحصر لا على سبيل المثال. الا ان احكام المحاكم قد استقرت عكس ذلك، فقد حكم في فرنس بأن ” عبارات السب المنطوق بها أمام الميكروفون من مالك محطة اصدار اذاعية تكون جريمة السب العلني، ولا يهم أن تكون العبارات المنطوق بها امام الميكروفون تكون قد جهر بها في مكان خاص هو منزل المصدر للاذاعات فإن العلانية تنتج من انتشار الموجات الاثيرية في الجو ومن امكان استقبالها بمعرفة اي شخص لديه جهاز مخصص لذلك”.  وقد تدارك المشرع الفرنسي هذا النقص الوارد في صياغة المادة 23 السابقة فاصدر تشريع 13 ديسمبر سنة 1985 مستحدثا فيه هذه الصورة واعتبر هذا التشريع ان العلانية تتحقق بكل وسائل الاتصال السمعية والمرئية الأخرى .

وتفيد الاذاعة انتشار عبارات القذف بين الكثيرين مما تيحقق معه علمهم بهذه العبارات في وقت واحد. فالمذيع ينشر عبارات القذف من مكان الارسال فتصل هذه العبارات الى كل من لديه جهاز لاستقبال الاذاعة ومن هذا يمكن القول بأنه لا يهم نوع المكان الذي تستقبل فيه الاذاعة سواء كان محفلا عاما او طريقا عاما، أو مكانا عاما مفتوحا للجمهور، أو مكانا خاصا، ولو لم يسمع عبارات القذف إلا شخص بمفرده. وتتحقق العلانية أيضا حتى ولو كان جهاز الاستقبال غير مرتفع الصوت، ولا يشترط أن تكون عبارات القذف مجهورا بها أو تكون مرددة أمام المذياع أمام جهاز الاصدار لان آلات الاستقبال هي التي ترفع الصوت أو تخفضه بما فيها من مكبرات للصوت.

الطريقة الثانية :  علانية الفعل والايماء :

تنص المادة 171 من قانون العقوبات في فقرتها الرابعة على انه “ويكون الفعل أو الايماء علنيا اذا وقع في محفل عام أو طريق عام أو ي أي مكان آخر مطروق أو اذا وقع بحيث يستطيع رؤيته من كان في مثل ذلك الطريق أو المكان”.

ومن هذا النص يتضح أن لهذه الطريقة صورتين: الأولى: أن يقع الفعل أو الايماء في محفل عام أو طرق عام أو أي مكان آخر مطروق.  الثانية:  أن يقع الفعل أو الايماء بحيث يستطيع رؤيته من كان في طريق عام أو مكان مطروق.

المقصود بالفعل والايماء :

الفعل :  هو الحركة التي يظهر الانسان بها اراتدته التنفيذية معبرا بذلك عن افكاره معتمدا على اعضاء جسمه.  وقد يكون الفعل أفصح في الدلالة على المعنى المؤذي من القول وأشد وقعاً، فتقطيع صورة انسان أو دهسها بالأقدام أفحش من سبه وعيبه وقذفه من الهتاف بسقوطه. وأيضاً قد تنخدش كرامة سيدة ويمس شرفها علنا في حالة ما اذا عرض عليها رجل نقوداً أو تتبعها في الطريق العام بمثل ما يصيبها لو أنه فاتحها في مراده السيئ بالفاظ صريحة .

أما الإيماءات :  وهي التي يعبر فيها الإنسان عن فكر أو معنى بداخله مستخدما في ذلك حركات الجوارح وأجزاء الجسم. ويدخل في ذلك الإشارات فمنها ما هو معروف ومشهور يدل على الاستهزاء أو الاحتقار أو الاستنكار، أو الرفض وقد تستخدم في نسبة العيوب الى الغير.

وبطبيعة الحال فإن القذف بالفعل والإيماء نادر الوقع، ومع ذلك يمكن أن يتحقق القذف عن طريق الإيماء في الصورة التالية:  أن يوجه إلى آخر سؤلا مفاده من الذي ارتكب جريمة السرقة هذه؟ فيشير إلى أحد الحاضرين إشارة يفهم منها أن المشار اليه هو السارق ففي هذا المثال تعد هذه الاشارة اسنادا لواقعة السرقة لهذا الشخص .  ويعتبر ذلك قذفا.

والعلانية الفعل والإيماء صورتان: الأولى: أن يقع الفعل أو الإيماء في محفل عام أو طريق عام أ أي مكان آخر مطروق والمرجع في توافر العلانية في هذه الصورة هي طبيعة المكان الذي يرتكب فيه الفعل أو الإيماء.  والصورة الثانية :  أن يقع الفعل أو الإيماء بحيث يستطيع رؤيته من كان في طريق عام أو مكان مطروق.

وترجع العلانية هنا الى طبيعة المكان الذي رؤى فيه الفعل. وينطبق على المكان هنا نفس الأحكام السابق ذكرها في علانية القول ويرجع الفارق بين علانية القول وعلانية الفعل أن علانية القول تكون بالسمع أما علانية الفعل أو الإيماء تكون بالرؤيا .

ولكن هل يشترط تواجد الجمهور في صورة علانية الفعل أو الإيماء ؟.

إذا وقع القذف بالفعل أو الإيماء في محفل عام فيشترط وجود الجمهور حتى تتوافر العلانية، أما إذا وقع في طريق عام أو مكان مطروق فلا يلزم وجود الجمهور، وفي حالة ما إذا وقع الفعل أو الإيماء بحيث يستطيع رؤيته من كان في الطريق العام أو المكان المطروق، فلا يلزم أن تتحقق الرؤية بالفعل لكي تتوافر العلانية، بل يكفي لتوافرها أن يتم الفعل أو الإيماء بطريقة تجعله معرضا لأنظار الجمهور، أي يستطيع أن يراه من يكون موجوداً في الطريق العام أو المكان المطروق .

الطريقة الثالثة :  علانية الكتابة أو الرسوم أو الصور:

النص القانوني:

تنص المادة 171 عقوبات في فقرتها الخامسة على انه ” تعتبلر الكتابة والرسوم والصور والصور الشمسية والرموز وغيرها من طرق التمثيل علنية إذا وزعت بغير تمييز على عدد من الناس، أو إذا عرضت بحيث يستطيع أن يراها من يكون في الطريق العام أو أي مكان مطروق، أو إذا بيعت أو عرضت للبيع في أي مكان”.

ووفقاً لهذا النص تتحقق العلانية بإحدى الصور الآتية:

الصورة الأولى :  التوزيع بغير تمييز على عدد من الناس. الثانية :  عرض الكتابة بحيث يستطيع ان يراها من يكون في الطريق العام أو المكان المطروق. الثالثة:  البيع.  الرابعة:  العرض للبيع.

الصورة الأولى :  التوزيع بغير تمييز على عدد من الناس:

تفترض هذه الصورة أن يتم توزيع الكتابة، أو الرسوم، أو الصور، أو الرموز، على الناس بغير تمييز، بحيث يتحقق علم عدد من الناس بطريقة التمثيل التي تمس شرف وإعتبار المجني عليه وتقوم بها جريمة القذف. فهذه الصورة تقوم على عنصرين: أولهما: التوزيع، وثانيها: أن يتم التوزيع على عدد من الناس بغير تمييز.

وهذا ما أكدته محكمة النقض حيث ذكرت أن هذه الطريقة من طرق العلانية، تتوافر بعنصرين توزيع الكتابة المتضمنة لعبارات القذف على عدد من الناس بغير تمييز، وإنتواء المتهم إذاعة ما هو مكتوب.  ومما تجب ملاحظته في هذا الشان أن نية الإذاعة لا تعد عنصرا في هذه الطريقة، وإنما هي أحد عناصر القصد الجنائي في جريمة القذف عموماً.

العنصر الأول :  التوزيع :

الأصل في التوزيع أن يتم بتسليم الجاني للمادة المدون عليها الكتابة أو الرسم أو غير ذلك من وسائل التمثيل إلى عدد من الناس، على أن يكون ذلك بقصد نقل حيازة المادة اليهم للاطلاع على محتواها، وبناء عليه ينتفي هذا العنصر إذا افضى المتهم الى الغير بما تحويه المادة المكتوبة .  فإطلاع الذي يحقق معنى التوزيع هو الذي يتم عن طريق رؤية المكتوب نفسه وتحصيل معنى المكتوب من خلال هذه الرؤية مباشرة، اما إذا علم الغير بما يحويه المكتوب عن طريق السماع من الجاني فلا تتوافر العلانية لأنها تتحقق هنا عن طريق الكتابة لا القول.  وكذلك لا تتوافر العلانية إذا اكتفى الجاني بأن يلقى الغير بنظره على المادة المكتوبة دون أن يسلمها اليه.

ويجب أن يتم التوزيع عن قصد من المتهم، أي أن يكون عالماً بمضمون الكتابة أو الرسوم أو غير ذلك من طرق التمثيل، وأن يتوافر لديه قصد نشرها بين الناس وعلى ذلك إذا تم توزيع الكتابة دون قصد صاحبها بأن سرقت أو تسربت الى الغير دون علمه عن طريق توزيعها من السارق، على عدد من الناس بغير تمييز، كان الموزع أو السارق هو المسؤول عن هذا التوزيع.  فلا يكفي لتوافر العلانية في جريمة القذف أن تكون عبارات القذف قد تضمنتها شكوى تداولت بين ايدي الموظفين بحكم عملهم بل يجب أن يكون الجاني قد قصد إذاعة ما أسنده إلى المجني عليه. وتطبقا لذلك قضت محكمة النقض بأنه ” يجب لتوافر ركن العلانية ان يثبت في كل حالة أن المتهم صد الاذاعة وأن ما قصد اذاعته أذيع فعلا بين أناس غير معينين وغير معروفين له فالعرائض التي تقدم الى جهات الحكومة المتعددة بالطعن في حق موظف مع علم مقدمها بأنها بحكم الضرورة تتداول بين ايدي الموظفين المختصين تتوافر فيها العلانية لثبوت قصد الاذاعة لدى مقدمها ووقوع الاذاعة فعلا بتداوله بين ايدي مختلفة”.

ولكن هل يشترط أن يقوم الجاني بالتوزيع بنفسه؟

لا يشترط ذلك طالما أن الجاني قد اتى أفعالا تؤدي حتما وبالضرورة إلى هذا التوزيع.  ولكن لعقاب واضع الكتابة يجب أن يتم التوزيع برضائه أو بتأثيرمنه أو بتحريضه وتطبيقا لذلك حكم بأنه ” لا يعتبر من قبيل التوزيع تسليم صورة واحدة الى شخص واحد إلا إذا كان هذا الشخص قد عهد اليه بنشرها بين الناس ولا يعتبر من قبيل التوزيع ارسال صور المحررات بصفة خاصة أو سرية إلا إذا ثبت أن الغرض من ارسالها بهذه الطريقة كان بقصد نشرها”.  وتتوافر جريمة القذف حتى ولو تم توزيع الكتابة وغيرها من وسائل التمثيل بصور خفية أو سرية لأن التوزيع في حد ذاته هو المكون للعلانية في جريمة القذف، دون أن يشترط أن يكون قد حصل في أماكن أو اجتماعات عامة .

العنصر الثاني :  أن يتم التوزيع على عدد من الناس بغير تمييز :

وهذا العنصر ذو شقين  الأول:  خاص بعدد من وجه اليهم التوزيع.  الثاني:  بأن يتم التوزيع بدون تمييز. يجب أن يتم التوزيع على عدد من الجمهور لا تربطهم بالجاني علاقات شخصية أو خاصة، فإذا تم التوزيع على عدد من الجمهور تربطهم بالمتهم علاقات صداقة أو قرابة، فلا تتحقق العلانية.  ولكن ما هو العدد المطلوب من جمهور الناس ليتوافر التوزيع المحقق لجريمة القذف؟  لم يتطرق المشرع في المادة 171 من قانون العقوبات لهذا العدد وكل ما ذكره عبارة ” عدد من الناس بغير تمييز”  فهل يكفي لتوافر التوزيع أن يتم على عدد قليل من الأشخاص؟  يمكن القول هنا أن مسألة العدد يختص بها قاضي الموضوع، فيجوز له أن يكتفي بكون التوزيع قد تم على شخصين .  وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض أنه ” لا جب أن يكون التوزيع بالغا حدا معينا. بل يكفي أن يكون المكتوب قد وصل عدد من الناس ولو كان قليلا، سواء أكان ذلك عن طريق تداول نسخة واحدة منه أو بوصول عدة صور منه، ما دام لم يكن إلا بفعل المتهم أو كان نتيجة حتمية لعمله لا يتصور أنه كان يجهلها”.

كما يجب أن يتم التوزيع على عدد من الناس بغير تمييز. ولكن ماذا يقصد المشرع بعبارة ” بغير تمييز” ؟  لقد عرفت محكمة النقض المختلطة هذه العبارة في حكم لها بقولها أن عبارة ” بغير تمييز ” الواردة بالمادة 171 عقوبات يجب أن تنصرف ألى عدم التمييز في ابلاغ السب أو القذف أو الإهانة بين الأشخاص المقصودين بهذا الايذاء وبين غيرهم ممن لا شأن لهم به وممن يكون ابلاغهم به لا علة له الا رغبة الاذاعة والنشر. فإذا اختار المتهم أشخاصا معينين وأرسل اليهم الخطابات المتضمنة طعنا في المجني عليهم، فلا يعفيه هذا الاختيار من المسؤولية الجنائية ” .

ومن هنا نجد أن التوزيع بغير تمييز يعني أن يعلم بمضمون الكتابة من له شأن بها كالمجني عليه، وأي شخص تصل اليه المكاتبات بحكم عمله، أو أن تصل الى أشخاص ليس لهم شأن بها .  وعلى ذلك فإن العلانية تتوافر إذا أرسل المتهم مكتوبا يحتوي عبارات القذف في حق المجني عليه الى عدة أشخاص بغرض التشهير بالمجني عليه. وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض بأنه ” ومن حيث أن الحكم المطعون فيه ذكر أن الطاعن تعرف بالمدعية بالحق المدني ونشأت بينهما معرفة كان من آثارها أن أكثرت من التردد عليه فتحدث في أمر الزواج بها فلم ترفض واعقب ذلك جلوسهما معا شأن الخطيب مع مخطوبته ثم تحدد يوم ليتكلم الطاعن وأقاربه مع اخي المدعية لإتمام الخطبة وتحديد يوم لمباشرة العقد ولكنه في اليوم المحدد صدم عندما علم أن خطيبته تزوجت فجأة بغيره فثارت ثائرته ولم يستطيع السكوت فكتب خطاب أرسله بتاريخ 10 يونيه سنة 1937 الى أخيها خرج فيه عن مستوى العتاب ورمى المدعية بالعيب الخلقي وغيره ولم يقف عند هذا الحد بل أخذ من هذا الكتاب عدة صور شمسية وبعث بواحدة منها الى صهر اخيها الموظف بجمرك الاسكندرية وبعث بأخرى الى موظف ببنك التسليف بالمنصورة وهو رجل لا تُعرف علاقته بالمدعية ولا بأخيها وأرسل بثالثة إلى موظف بمحكمة المنصورة المختلطة وأطلق عليه وصف صديق العائلة، وبعث برابعة إلى موظف بمجلس حسبي طلخا، وإلى زوج المدعية الجديد ولم يقف عند هذا الحد بل أرسل للمدعية كتابا خاصا هو في غاية الوقاحة والبذائة، واتصل بجماعة من أهل الإسكندرية وقال أنهم كانوا على علم باتصاله بالمدعية وحصل منهم على خطابات باستعدادهم لاداء الشهادة ونقل تلك الخطابات بآلة تصوير شمسية وبعث بصورة منها الى زوج المدعية وطلب منه أن يعمل على التنازل عن الدعوى وإذا لم يفعل فسينتقم منه. وقد خلص الحكم إلى أن ركن العلانية قد توافر بالنسبة لخطاب 10 يونيه سنة 1937 وصورة الشمسية لأن نية الاذاعة متوفرة لدى الطاعن من ظروف الدعوى وقرائن الأحوال وعلاقات الأشخاص الذين أرسلت اليهم تلك الخطابات بالمدعية، إذ الصور الشمسية قد ارسلت الى اشخاص لا تربطهم بالمدعية صلة وهذا يدل على أن المتهم قصد نشر المكاتيب بين الناس مستترا وراء الخطابات الخصوصية “.

وبتوافر هذين العنصرين تتحقق العلانية بالكتابة أو بغيرها من طرق التمثيل دون تطلب اية عناصر أخرى، فلا يتطلب القانون أن تتعدد نسخ المكتوب، فيجوز أن يستخدم الجاني نسخة واحدة، يجعلها تتداول بين ايدى أشخاص متعددين ويطلع على مضمونها كل واحد منهم.  وبذلك قضت محكمة النقض. بأن وصول مكتوب الى عدد من الناس حتى ولو كان قليلا، بتداول نسخة واحدة يتوفر به ركن العلانية في جريمة القذف متى كان ذلك نتيجة حتمية لعمل القاذف .  ولا أهمية للطريقة التي حصل بها توزيع المكتوب، فتتوافر العلانية سواء سُلم المكتوب باليد أو أرسل بالبريد أو وضع في مظاريف مفتوحة أو مغلقة.

ومن التطبيقات القضائية لهذه الصورة، ما قضت به محكمة النقض، أن مجرد تقديم العرائض الى جهات الحكومة المتعددة بالطعن في حق موظف مع علم مقدمها بأنها بحكم الضرورة تتداول بين أيدى الموظفين المختصين تتوافر فيه العلانية لثبوت قصد الاذاعة لدى مقدمها ووقوع الاذاعة فعلا بتداولها بين أيد مختلفة .

وتتوافر العلانية أيضا متى كان توزيع المكاتيب ونحوها في متناول عدد من الناس بقصد النشر ونية الاذاعة، وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض بأنه ” إذا استخلص الحكم توافر ركن العلانية من الكيفية التي قدم بها المشتكي شكواه ضد القاضي وهي إرساله الى المجني عليه والى المحكمة الابتدائية الأهلية التي يشتغل فيها. وإلى الادارة القضائية الأهلية بوزارة العدل والى وزارة العدل. عدة عرائض سماها ردا للقاضي المجني عليه على اعتبار ان هذا منه يدل دلالة واضحة على أنه أراد إذاعة ما نسبه اليه إذ أنه لو لم يقصد الاذاعة لا قتصر على ارسال الشكوى للقاضي وحده دون الجهات الأخرى التي يعلم بالبداهة ان كل جهة منها تحوي عددا من الموظفين من الضروري أن تقع الشكوى تحت حسهم وبصرهم فإنه لا يكون قد أخطأ”.  كما قضت المحكمه أيضاً بأن إرسال المتهم صورا فوتوغرافية للمجني عليه وشقيقه تظهر المتهم وزوجة المجني عليه في أوضاع تنبئ بوجود علاقة غير مشروعة بينهما، وذلك بطريقة سرية داخل مظاريف مغلقة أو سلمها يدا بيد دون إيصالها للجمهور فإن العلانية تتوافر بذلك .

وإذا انتفى أي عنصر من عنصري علانية الكتاب ووسائل التمثيل الأخرى أو انتفى العنصران معا فلا تتحقق العلانية. وتنتفي العلانية إذا أرسل شخص الى اخر مكتوبا وقام هذا الأخير بطبع المادة المكتوبة أو نسخها وتوزيعها على عدد من الناس بغير تمييز، فهنا تنتفي مسؤولية المرسل ويتحمل المسؤولية المرسل اليه وحده إلا إذا ثبت أن المرسل أراد ذلك أو توقع التوزيع الذي قام به المرسل اليه فتتوافر العلانية في حقه.  وأي عمل قانوني يحتوي على معنى مؤذ أو ضار لا تتوافر به العلانية إذا ما تم توثيق هذا العمل أمام موظف مكتب التوثيق .

ولقد كفل الدستور المصري في المادة 63 منه للأفراد حق مخاطبة السلطات العامة فيما يعرض لهم من شؤون فيحق لهم تقديم شكاوى موقع عليها باسمائهم، ومع ذلك فإن مجرد ارسال شكوى في شخص معين الى موظف مختص، أو إلى إحدى الجهات القضائية أو الإدارية، لا تتوافر بذلك العلانية، لأن ذلك يعتبر إستعمالا لحق عام حق الشكوى وتقديم العرائض.  وتطبيقا لذلك قضى بأنه ” إذا أرسل شخص تلغراف لرئيس مصلحة يشكو فيه احد مرءوسيه فلا يمكن اعتبار الراسل قاذفا بما ورد في التلغراف لعدم توافر ركن العلانية فيها لأن طبيعة المراسلة التلغرافية لا تدل على قصد اذاعة محتوياتها من وجهة أخرى”.  أما إذا قصد الشاكي من شكواه التشهير بالمشكو في حقه كأن يرسل شكواه الى جهات لا علاقة لها بموضوع الشكوى فيتوافر في حقه العلانية في جريمة القذف. وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض بأن ” مجرد تقديم شكوى في حق إنسان الى جهات الاختصاص وإدلاء مقدمها بأقواله أمام الغير لا يمكن إعتباره قاذفا إلا إذا كان القصد منه التشهير بالمشكو للنيل منه”.  واستظهار القصد من اختصاص محكمة الموضوع وهي تستخلصه من وقائع الدعوى وظروفها دون معقب عليها ما دام موجب هذه الوقائع والظروف لا يتنافى عقلا مع ما يستنتجه الحكم .

الصورة الثانية :  عرض الكتابة بحيث يستطيع أن يراها من يكون في الطريق العام أو المكان المطروق:

عبر المشرع عن هذه الصورة في المادة 171 من قانون العقوبات بقوله “أو إذا عرضت بحيث يستطيع أن يراها من يكون في الطريق العام أو أي مكان مطروق”. فلكي تتحقق العلانية بهذه الصورة يجب أن توضع الكتابة أو الرسوم أو الصور أو أي وسائل تمثيل أخرى في مكان ظاهر. بحيث يستطيع رؤيتها من يكون في طريق عام أو مكان مطروق. والمشرع هنا اكتفي باستطاعة الرؤية، ولم يتطلب الرؤية الفعلية.  وعلى هذا الأساس لا تتوافر العلانية إذا وجت الكتابة داخل مظروف مغلق ولو وضع في الطريق العام.  وتتوافر العلانية في هذه الصورة ولو حصل العرض في مكان خاص بحيث يستطيع ان يراها من كان في المكان العام أو الطريق العام، مع توافر قصد الجاني الى ذلك.

ولا تهم الطريقة التي تم بها عرض الكتابة وغيرها من طرق التمثيل الأخرى طالما توافر قصد الجاني لاظهارها، سواء كانت وسائل العرض هي شاشات السينما أو إعلانات عادية أو كهربائية، طالما وضعت في اماكن مطلة على الطريق العام أو كانت من الأماكن المطروقة وقد حكم تطبيقا لذكل بأن ” القذف العلني يتم بوضع أو تثبيت صليب معقوف على دائرة الكورنيش الخارجي لمنزل السكن “.  وكذلك تتوافر العلانية في هذه الصورة بصرف النظر عما اذا كان هذا العرض قد تم بمقابل أو مجانا. وتطبيقا لذلك قضى بأنه ” يعد من الأمور المنتهكة لحرمة الأداب وحسن الأخلاق المعاقب عليها بالمادة 161 عقوبات ( قديم ) إذا حمل شخص صندوقا فيه صور أو رسوم قبيحة مخلة بالحياء ودار بها في الشوارع العمومية يقدمها لكل من اراد مشاهدتها في مقابل اجر معين لأن هذه الحالة هي حالة عرض تامة”.

الصورة الثالثة :  البيع والعرض للبيع:

وقد نص المشرع على هذه الصورة في الفقرة الخامسة من المادة 171 من قانون العقوبات حيث نص على أنه ” وتعتبر الكتابة والرسوم والصور والصور الشمسية والرموز وغيرها من طرق التمثيل علنية…. إذا بيعت أو عرضت للبيع في أي مكان”.

1-البيــــــــــــع :

يقصد بالبيع الذي تتوافر به علانية الكتابة وغيرها من وسائل التمثيل الأخرى، هو البيع التجاري العام الذي يتم بمقتضاه نقل ملكية الشيء المبيع الى الغير نظير ثمن معين. فهذا البيع يفترض أن يتم طرح المكتوب أو وسائل التمثيل الأخرى في السوق بحيث يجوز لكل شخص شرائها. وعليه فإن العلانية تتحقق ولو كان المبيع نسخة واحدة ولو كان المشتري واحداً .

ويفترض المشرع حتى تتحقق العلانية في هذه الصورة أن يتوافر لدى الفاعل قصد النشر، ويتم ذلك بوضع الشيء المبيع تحت تصرف المشتري الذي يدفع له الثمن.  وعلى هذا لا يعتبر بيعا تتوافر به العلانية البيع الخاص، فمؤلف الكتاب الذي يبيع منه النسخة لأقاربه أو لأصدقائه بسعر التكلفة، أو إذا باع شخص نسخة من مكتبته الخاصة أو إذا باع المؤلف أصول كتابه أو أصول رسمه فمثل هذه البيوع لا تتوافر بها العلانية .

ويجب أن يفهم من البيع بأنه وسيلة لتحقيق العلانية، فإذا كان الشيء المبيع نسخة واحدة، فيجب أن يكون لدى البائع مجموعة نسخ على استعداد لبيعها لمن يرتضون دفع الثمن.  أو أن يكون البائع ممن يعملون بالاتجار في مثل هذه الأشياء.

وتطبيقا لذلك حكم بأن ” مجرد بيع كتاب واحد أو مكتوب واحد أو كراسة واحدة فاحشة ومخالفة للحياء يكون فعل التوزيع الواقع تحت طائلة قانون العقوبات لا سيما اذا كان البيع صادرا من بائع أو مشتغل بالتصوير “.

2-العرض للبيع :

والعرض يعني المقدمات التمهيدية للبيع التجاري.  وفيه يقوم البائع بطرح الكتابة أو الرسوم أو الصور وغير ذلك من وسائل التمثيل بقصد بيعها أو يعلن عنها بطريقة تلفت الأنظار الى شرائها .

وليس من الضروري لتوافر العلانية أن يكون قد تم البيع فعلا، بل يكفي لتوافر العلانية أن يتم عرض الكتابة أو الرسوم أو الصور أو غير ذلك من طرق التمثيل للبيع، ويتحقق ذلك بكافة طرق العرض كالنشر في الصحف أو المجلات أو وضع الأشياء المبيعة في واجهات المحلات التجارية أو في أرفف الكتب المعروضة للبيع .  ويعتبر عرضا للبيع ذكر الكتاب في قائمة المطبوعات فليس من الضروري أن يكون الشيء المبيع في حيازة المتهم فمن الجائز الاعلان عن كتاب موجود تحت الطبع .  وليس من الضروري أن تكون الكتابة أو الرسوم أو الصور أو غير ذلك من وسائل التمثيل معروضا بطريقة تسمح للجمهور رؤيته. بل أن العلانية تتوافر حتى ولو كان الشيء المراد عرضه للبيع موضوعا داخل صندوق مغلق داخل المحل التجاري.

ومجرد نشر اسم الشيء المبيع أو وجود الكتب داخل مخزن دار لبيع الكتب أو وجود رسوم أو صور في داخل المحل المعد لبيعها فإن ذلك يدل على أنها موضوعة لعرضها للبيع وهنا ينكن اثبات أنها ليست موضوعة للبيع.  وقد حكم في مصر تطبيقا لذلك بأن ” مجرد حيازة مشتغل بالتصوير مجموعة صور مخلة بالحياء وفاحشة في دكانه وليس في سكنه الخاص فإن هذا يكون النشر المنصوص والمعاقب عليه في المادة 171 عقوبات”.  وقد حكم أيضا بأن ” مجرد حيازة بائع كتب في مخزنة كتبا ومطبوعات شائنة وعرضه اياها ايضا للبيع يكون فعل التوزيع الواقع تحت طائلة قانون العقوبات فإذا كان القاضي قد برأ المتهم بحجة أنه يحتفظ بالكتب والمطبوعات في خزانة حديدية في داخل مخزنه فإنه يكون قد أخطأ إذن في التطبيق”.  وقد حكم في فرنسا بأنه ” يكفي لتكوين العرض للبيع أن يشير تاجر لزبون له على رسوم بقصد بيعها له حتى ولو لم تكن تلك الرسوم معروضة في الشبابيك الخارجية ولا في امكنة عرضها داخل الدكان”.  وحكم بان ” مجرد حيازة التاجر لصور مخلة بالحياء داخل غلاف في مخزنة يعتبر من جانبه عرضا للبيع”.

وفي صورة العرض للبيع للكتابة أو الرسوم أو الصور أو غير ذلك من وسائل التمثيل الأخرى، نجد أن المشرع لم يقيد ذلك بمكان معين، وإنما نص على أن يتم البيع أو العرض للبيع في أي مكان سواء كان هذا المكان عاما أم خاصا، لأن العلانية لا تتحقق في البيع أو العرض للبيع من خلال المكان وإنما تتحقق من عملية البيع التجاري ذاتها أو من عرض الشيء المبيع بقصد بيعه، فتلك هي الوسيلة الرئيسية لتداول الكتابة أو الرسوم أو الصور أو غير ذلك من وسائل التمثيل الأخرى.

وفي فرنسا فإن هذه الطريقة من طرق العلانية، علانية الكتابة والمحررات والصور نصت عليها المادة 23 من تشريع سنة 1881، حيث نصت على أن ” العلانية تكون بالكتابة أو المطبوعات أو الرسومات والصور المنحوتة أو المطبوعة أو بواسطة الرموز وكل ما يتعلق بالكتابة من كلام أو صور مباعة أو موزعة أو معدة للبيع أو معروضه في مكان اجتماعات عامة سواء بموجب لوحة إعلانات أو اعلانات معدة لرؤيتها بواسطة الجمهور”.

وبذلك نجد أن العلانية تتوافر بالكتابات والمحررات، وذلك دون إرتباط بين هذه الكتابات والمحررات والطبيعة الخاصة بها .  وذلك عندما تكون هذه المحررات أو الكتابات المجرمة والتي تقع عليها شبهة الجريمة قد نشرت في جرنال رسمي أو في حالة عرضها لللبيع أو التوزيع .

كما توجد العلانية، أيضاً في حالة الرسومات والصور المنحوتة والمطبوعة والرموز والصور المعروضة للبيع أو التوزيع والتي يتنقل بها البائع، أو معروضة للجمهور أمام العامة.

ولا تتوافر صفة العلانية في حالة المراسلة بالخطابات، أو التقارير الإخبارية إلى أعضاء منفردين في مجموعة.  كما لا تتوافر كذلك بوضع إعلانات في مكان لا يكون منظور الا بواسطة شخص معين . وعلى العكس من ذلك تتوافر صفة العلانية، بلصق الكتابات أو المحررات في فناءات المدارس الكبيرة، بحيث يمكن أن يراها من يمر أمامها من أشخاص لا ينتمون لهذه المؤسسة العلمية .  كما أن العلانية لا تتوافر إذا كان التوزيع قد تم الى مجموعة من الأشخاص يرتبطون بمجموعة من المصالح المشتركة .

القذف عن طريق التليفون :

تنص المادة 308 مكررا من قانون العقوبات في فقرتها الأولى على ان ” كل من قذف غيره بطريق التليفون يعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في المادة 303″.

وقد أضيفت هذه المادة لقانون العقوبات رقم 97 لسنة 1955 وقد ورد في المذكرة الايضاحية لهذا القانون تبريرا لهذا النص ” أنه قد كثرت أخيرا حوادث الاعتداءات على الناس بالسب والقذف بطريق التليفون. وأستفحلت مشكلة إزعاجهم في بيوتهم ليلا ونهارا وإسماعهم أقذع الألفاظ وأقبح العبارات، وأحتمى المعتدون بسرية المحادثات التليفونية وأطمأنوا الى أن القانون لا يعاقب على السب والقذف بعقوبة رادعة إلا إذا توافر شرط العلانية وهو غير متوافر طبقا للنصوص الحالية الأمر الذي يستلزم تدخل المشرع لوضع حدا لهذا العبث وللضرب على أيدي هؤلاء المستهترين … ومن البديهي أنه لا تشترط العلانية لتوافر أركان الجريمة المنصوص عليها في المادة 308 مكررا”.

وبذلك يتضح أن المشرع قد إستثنى القذف بطريق التليفون من ركن العلانية، إلا أن المشرع قد وضع لاثبات جريمة القذف عن طريق التليفون وسيلة معينة نصت عليها المادة 95 مكررا من قانون الاجراءات الجنائية.  وتسري على جريمة القذف عن طريق التليفون كافة الأحكام التي تسري على جريمة القذف من ظروف مشددة للعقوبة وتسري عليها أيضا أسباب الاباحة ولكن لا تسري عليها الأحكام الخاصة بركن العلانية .

بيان العلانية في الحكم :

وإذا كانت العلانية ركنا من الأركان التي تقوم عليها جريمة القذف، فإنه يتعين على المحكمة إن هي أصدرت حكمها بالإدانة أن تبين فيه مدى توافر هذه العلانية حتى يكون حكمها صحيحا .  فعلى قاضي الموضوع أن يبين في حكمه أسباب توافر العلانية وإغفاله ذلك يعيب الحكم ويستوجب نقضه، وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض بأنه ” وإذا كان الحكم قد إقتصر في القول بتوافر ركن العلانية في جريمة القذف التي دان بها المتهم على أن الصور وزعت على المجني عليه وشقيقه وإحتمال رؤية الغير لهذه الصور عند المصور وعدم دراية المتهم بفن التحميض وغيره من فنون التصوير فإن ما قاله الحكم من ذلك لا يتحقق به وحده توفر العلانية كما يتطلبه القانون ومن ثم يكون الحكم قاصرا قصورا يعيبه بما يستوجب نقضه”.

أما إذا كانت وقائع الدعوى تقطع بتوافر العلانية فلا يكون الحكم معيبا وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض بأنه ” لما كان البين من محاضر الجلسات أن الطاعن لم يدفع بتخلف ركن العلانية فإنه لا عيب على المحكمة إن هي سكتت عن التحدث عن توافر هذا الركن على استقلال في حكمها ما دامت الوقائع – كما حصلها الحكم – تقطع بما يوفر لجريمة القذف ركن العلانية على ما هو معرف به في القانون “.

وتثبت العلانية بكافة الطرق، كأن تثبت الأوراق أو النشرات المتضمنة لعبارات القذف عند بيعها أو عرضها للبيع. وكذلك تثبت بشهادة الشهود وإثبات العلانية يرجع تقديره لقاضي الموضوع على ضوء ما يتكشف له من عناصر الدعوى ووقائعها .  وهو في ذلك لا يخضع لرقابة محكمة النقض، إلا فيما يتعلق بفهم المعنى القانوني للعلانية ولذلك يتعين على محكمة الموضوع أن تقوم بتسبيب الحكم فيما يتعلق بالعلانية حتى يتسنى لمحكمة النقض مراقبة صحة تطبيق القانون .

وإذا نفى قاضي الموضوع في حكمه توافر العلانية فيجب ان تكون الأسباب الموضوعية التي ذكرها كافية للتدليل على ذلك. أما إذا كانت الأسباب التي ذكرها لا تصلح لذلك قانونا فيدل ذلك على خطئه في فهم معنى العلانية قانونا وأن حكمه يشوبه القصور مما يستوجب نقضه.

وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض بأنه ” إذا كان من وقائع القذف المرفوعة بها الدعوى على المتهم أنه نشر تقرير الطبيب المعين من المجلس الملى للكشف على المدعية بالحق المدني الوارد فيه بأنها مصابة بارتخاء خلقي في غشاء البكارة ناشئ عن ضعف طبيعي في الانسجة مما يجعل ايلاج عضو الذكر ممكنا من غير احداث تمزق ولا يمكن طبيا البت فيما إذا كان سبق لاحد مباشرتها وذاك بطريقة توزيع صور من هذا التقرير على عدة أشخاص بقصد التشهير بالمدعية. إذا كان ذلك وكان كل ما ذكرته محكمة الموضوع عن هذه الواقعة هو ” أنها ترى أنه لم يحدث طبع ولا نشر للتقرير كما تتطلبه المادة 171 عقوبات ” دون أن تبين المقدمات التي رتبت عليها هذه النتيجة في حين أن الدفاع لم يقل صراحة بعدم حصول توزيع بل كل ما قاله هو أنه إذا كان ثمة توزيع فإن ما وزع هو تقرير الطبيب، فإن هذا منها يكون قصورا في بيان الأسباب التي أقيم عليها الحكم إذ كان من الواجب أن تبحث المحكمة في مدى توزيع التقرير وفي الغرض من توزيعه حتى اذا ثبت لديها أنه وزع على عدد من الناس بغير تمييز بقصد النشر وبنية الاذاعة كان ركن العلانية متوافرا وكانت دعوى المدعية صحيحة ولا يقلل من صحتها ان هذا التقرير غير ثابت به ازالة بكارة المدعية ولا مقطوع فيه بسبق افتراشها، إذ الاسناد في القذف يتحقق أيضا بالصيغة التشكيكية متى كان من شانها أن تلقى في الروع عقيدة أو ظنا واحتمالا أو وهما ولو عاجلا في صحة الواقعة أو الوقائع المدعاة”.

حكم الإخبار بالقذف :

إذا كانت وقائع القذف وليدة فكرة الجاني خالصة، أو كان قد أخبر بها من الغير وأخذ يرددها ففي هذه الحالة يتحقق المساس بشرف المجني عليه واعتباره، وتتحقق بذلك جريمة القذف، لأن الجاني عندما يردد وقائع القذف عن الغير، سواء كان ذلك في صورة إشاعة أو بأي صورة أخرى تعطى إنطباع القذف في حق المجني عليه لدى الآخرين فإنه بذلك يوسع من نطاق العلانية أو أن يعطى الوقائع المنقولة عن الغير صورة العلانية التي لم تكن متوافرة فيها من قبل. فنقل وقائع القذف عن الغير لا تعفي من المسؤولية عن جريمة القذف فلا  فرق هنا بين من ينشر فكرته الشخصية أو فكرة غيره على شكل خبر أو اشاعة.  وقضت محكمة النقض بأنه ” يستوي أن تكون عبارات القذف التي أذاعها الجاني منقولة عن الغير أو من إنشائه هو، ذلك أن نقل الكتابة التي تتضمن جريمة ونشرها تعتبر في حكم القانون كالنشر الجديد سواء بسواء ولا يقبل من أحد للافلات من المسؤولية الجنائية أن تتزرع بان تلك الكتابة إنما نقلت عن صحيفة أخرى “.

اما في الشريعة الاسلامية، فإن فقهاء الشريعة يختلفون عن شراح القانون في هذه المسألة، فالإخبار بالقذف عندهم يكون بأن يرسل شخص شخصا الى ثالث ليخبره بالقذف، فالقذف هنا يعتبر منقولا من شخص الى شخص آخر وهو بذلك لا يعد قذفا. ولكن ذلك مشروطاً بأن تكون صيغة القذف تدل على أنها منقولة. فلو قال شخص لآخر إذهب إلى فلان وقل له يا زاني أو يا ابن الزانية لم يكن المرسل قاذفا لأنه امر بالقذف ولم يقذف، أما الرسول فإن ابتدأ وقال يا زاني أو يا ابن الزانية فإنه يعتبر قاذفا وعليه الحد لأنه لم يُبلغ ذلك على وجه الرسالة، بأن يقول أرسلني فلان اليك وأمرني أن أقول يا زاني أو يا ابن الزانية فلا حد عليه هنا لأنه لم يقذف بل أخبره عن قذف غيره … ولو قال شخص آخر أخبرني فلان أنك زان، أو أشهدني على ذلك، لم يكن قذفا سواء كذبه المخبر عنه أو صدقه لأنه حكى خبر سمعه من غيره أو أشهده غيره بذلك فلم يكن قاذفا. فالناقل عند الشافعي وأبي حنيفة وأحمد لا يعد قاذفا ولو كذبه المنقول عنه .  أما الناقل عند مالك وبعض أصحاب أحمد يُعتبر قاذفا إذا كذبه المنقول عنه ولم يستطيع أن يقيم النينة على أنه ناقل القذف عن آخر، أما إن أقام البينة على ذلك فلا حد عليه .

الإخبار بالقذف بين القانون والشريعة :

وأرى أن شراح القانون في هذه المسألة، رأيهم أدق من فقهاء الشريعة الإسلامية وانه لمن العجب أن يذهب فقهاء الشريعة الإسلامية هذا المذهب ويقولون بعدم العقاب في حالة الإخبار بالقذف خاصة وأن الله تعالى قد نهانا عن القذف لأنه يشيع الفاحشة فقال تعالى ” والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هن الفاسقون”.  ولذلك فإنه يجب العقاب على القذف في هذه الحالة بشرط أن يكون الإخبار بالقذف قد تم أمام من يمكن أن يثبت الجريمة بهم من الشهود ويكون العقاب هنا للرسول والمرسل إن صدقه أو ان  استطاع ان يثبت أنه هو الذي أرسله أما ان أخبر المرسل اليه بوقائع القذف بدون علانية فلا عقوبة في هذه الحالة، وذلك لانتفاء ركن من أركان الجريمة.

حكم القذف المعلق على شرط أو المضاف لأجل بين القانون والشريعة:

وفي القانون تتوافر جريمة القذف كذلك إذا جاء الإسناد أو الإخبار بالقذف معلقا على شرط أو ورد في صيغة إفتراضية، فإن هذا الأسلوب لا يقل خطورة عن الأسلوب المنجز أو المجرد من الإضافة .  وهذا هو الاتجاه السائد في فرنسا فقد قضت إحدى المحاكم الفرنسية ” أن الاسناد المعلق على شرط أو المضاف إلى أجل لا يمنع من توافر الجريمة “.

ويمكن قياس ذلك على الشرط والأجل في نطاق الالتزامات المدنية، فالشرط والأجل في هذا المجال وصف يلحق الإلتزام، والشرط أمر مستقبل وغير محقق الوقوع ويؤدي تحققه وجود الالتزام أو زواله. وهو نوعان شرط واقف يترتب على تحققه وجود الالتزام وشرط فاسخ يترتب على تحققه زوال الالتزام. والأجل: هو أمر مستقبل محقق الوقوع يترتب على حلوله نفاذ الالتزام، أو انقضاؤه. وهو نوعان: أجل واقف يترتب على حلوله نفاذ الالتزام وأجل فاسخ يترتب على حلوله نفاذ الالتزام .

ما سبق هو الوضع في القانون، فهل في الشريعة الإسلامية يتوافر حد القذف بتحقق الشرط أو بحلول الأجل ؟

تأبى الشريعة الإسلامية ذلك لأن جرم القذف لا يتعلق بشرط ولا يحل بأجل، لأن ذكر الشرط أو الوقت يمنع وقوع الجريمة. فإذا قال رجل من قال كذا وكذا فهو زان أو ابن زانية، فقال رجل أنا قلت، فلا حد على المبتدئ بالقول لأنه علق القذف على شرط القول. وكذا من قال لغيره أنت زان أو ابن زانية غدا أو أول شهر كذا فجاء الغد والشهر فلا حد عليه لأنه أضاف القذف الى وقت يمنع تحقق القذف في الحال وفي المآل لأن القائل يعتبر قاذفا تقديرا مع انعدام القذف حقيقة، فلا يجب الحد .

وأرى أنه إذا كانت الشريعة الاسلامية قد أعفت، المتلفظ بالقول الفاحش من عقوبة جريمة القذف لعدم توافر الحد في حقه، فإنه يتعين أن تعاقبه بعقوبة تعزيرية لتلفظه بمثل هذا القول الفاحش.

الفصل الرابع

الركن المعنوي لجريمة القذف

1-القصد الجنائي في جريمة القذف:

جريمة القذف جريمة عمدية يتطلب لقيامها توافر القصد الجنائي العام بعنصريه العلم والإرادة.   وسوف أبين ذلك في القانون وفي الشريعة الاسلامية.

في القانون :

القصد الجنائي هو العلاقة التي تربط بين ماديات الجريمة وبين شخصية القاذف، وهذه العلاقة تكون محل للمساءلة القانونية ويجب أن يسيطر الجاني فيها على الفعل وآثاره. وارادة الجاني هي جوهر هذه العلاقة، فالقصد الجنائي يتمثل في ارادة للقاذف اتجهت الى الجريمة وسيطرت على مادياتها معبرة بذلك عن خطورة شخصية القاذف وأصبحت السبب لمساءلته قانونا .  كما أنه يتعين أن يكون القاذف عالما بأن وقائع القذف لو كانت صادقة لأوجبت عقاب المقذوف في حقه أو احتقاره عند اهل وطنه، وهذا العلم مفترض اذا كانت عبارات القذف شائنة بذاتها. وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض بأنه ” من المقرر أن القصد الجنائي في جريمة السب أو القذف يتوافر اذا كانت المطاعن الصادرة من الساب أو القاذف محشوة بالعبارات الخادشة للشرف والالفاظ الماسة بالاعتبار فيكون علمه حينئذ مفترضا “.  كما قضت محكمة النقض ” بتوافر القصد الجنائي في جريمتي القذف والسب متى كانت العبارات التي وجهها المتهم الى المجني عليه شائنة بذاتها “.

وجريمة القذف من الجرائم العمدية يتخذ ركنها المعنوي صورة القصد الجنائي، وعلى ذلك لا يكفي لقيامها أن يتسبب الجاني باهماله في اذاعة عبارات القذف فمن يدون عبارات قذف في مذكرته الخاصة ويهمل في المحافظة عليها مما ينتج عن هذا الاهمال ان يطلع عليها شخص أخر ويعطيها بعد ذلك صفة العلانية لا يكون مرتكبا لجريمة قذف.  والقصد الجنائي المتطلب لقيام جريمة القذف هو القصد العام وهذا هو المستقر عليه فقها وقضاءً. وقد قضت بذلك محكمة النقض في أحكامها العديدة بقولها بأن ” القانون لا يتطلب في جريمة القذف قصدا جنائيا خاصا بل يكتفي بتوافر القصد الجنائي العام الذي يتحقق فيها متى نشر القاذف أو أذاع الأمور المتضمنة للقذف وهو عالم أنها لو كانت صادقة لأوجبت عقاب المقذوف في حقه أو احتقاره عند الناس. ولا يؤثر في توافر هذا القصد أن يكون القاذف حسن النية أي معتقدا صحة ما رمى المجني عليه به من وقائع القذف “.  وقضت كذلك بأن ” القصد الجنائي في جريمة القذف يتوافر متى كانت العبارات التي وجهها المتهم الى المجني عليها شائنة تمسها في سمعتها وتستلزم عقابها ولا معقب على المحكمة إن هي لم تتحدث عن قصد الاذاعة على استقلال طالما ان هذا القصد يستفاد من علانية الاسناد التي استظهرها الحكم بأدلة سائغة”.

وعلى هذا فإن القصد الجنائي في جريمة القذف التي هي موضوع هذا البحث يقتضي اتجاه ارادة الجاني الى ارتكاب الجريمة بجميع عناصرها وأركانها التي عينها القانون مع علمه بذلك .  فإرادة القاذف في جريمة القذف تكوم مؤثمة قانونا

المرجع

جريمــــة القـــــــذف دراسة مقارنة  بين القانون الجنائي الوضعي والشريعة الإسلامية

 الدكتور إبراهيم محمد حسن

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

  1. مودي نادر

    ما هو الحكم اذا اخذ احد الاشخاص ينشر علي صفحته الفيسبوك ما يتعارض مع الثوابت الدينية مثل ان ادم عليه السلام مولود القردة او ان الطبيعة اوجدت تنوعات الكائنات فحاول شخص ثان ان يرد عليه علي صفحة الاول الذي كان يمسح الردود اولا باول لدرجة استفذت الثاني فكتب للاول علي صفحة الاول انه مريض بحب الظهور واعماه حب الذات عن قبول الراي الاخر وانه محتاج لعلاج نفسي ………فهل يعتبر هذا سبا علنيا ؟

  2. مودي نادر

    سؤال ثالث لتوضيح القضية تماما :
    اذا كتب الف الي باء في رسالة شخصية علي البريد الالكتروني للشخص باء يصف فيها النفسية السيئة لشخص جيم يعرفونه معا فابلغ باء صورة الرسالة الي جيم علي الفيسبوك لجيم ، فهل هنا سب علني ومن المسئول عن السب ؟
    اتقدم لكم بجزيل الشكر لهذا البحث الرائع
    مودي نادر

التعليقات مغلقه