زواج القاصرات في الوطن العربي: المعاناة الصامتة

زواج القاصرات في الوطن العربي: المعاناة الصامتة

 بقلم: سهير الشربيني

«الفتاة ليس لها سوى بيت زوجها أو قبرها»

عقيدةٌ مُترسخةٌ في عقول الكثير من أهالي الفتيات الذين لا يرون لبناتهن حقوقًا عليهم سوى أن يزوجوهن باكرًا. معاناةٌ تعايشها الكثير من الفتيات في عُمر الزهور، لا ذنب لهن سوى أنهن ولدن لأسرٍ بسيطة ماديًا أو فكريًا فكلاهما سواء. ظاهرةٌ لا حل لها مهما حاولت القوانين تقنينها، فهي جزء من ميراث ثقافي يضرب بجذوره غالبية الدول العربية وبالأخص المناطق الريفية منها.

فكيف لك أن تقنع والد فتاة يعيش أسير أفكار ترى في تزويج الفتاة في سن مُبكر «سُترة»، بأن تزويج ابنته بتلك الطريقة قرار غير صائب وأن عليه التوقف وعدم تكرار المأساة مع بقية بناته؟!

 

لماذا يزوجونهن مبكرًا؟

الفقر أو الجهل أو الفهم الخاطئ للدين، اختلفت الأسباب والنتيجة واحدة. فكل الطرق تؤدي إلى روما!
قد يكون ضيق ذات اليد عاملاً أساسيًا في تزويج الفتيات في سن مبكر، إذ يرى الكثير من الآباء أن في ذلك تخفيفًا لحمل ثقيل يقع على عاتقهم. فيحكي والد رحمة – فتاة تزوجت وهي في الصف السادس الابتدائي في اليمن- أنه نظرًا لظروفه المادية الصعبة لم يكن أمامه سوى أن يزوج ابنته في ذلك السن المبكر، فظروف الحرب في اليمن وتأثيرها السلبي على مستوى معيشة العديد من الأسر بما فيهم هو دفعته مجبرًا لفعل ذلك.

لكن الفقر ليس السبب الأوحد، فقد يكون الوالد ثريًا ولكنه ضحل التفكير، يرى في تزويج ابنته جزءًا من وجاهته الاجتماعية. فكيف لابنة عمها أن تُخطب أو تتزوج قبلها! فهو يرى في ذلك انتقاصًا منه ومن ابنته على السواء. كثير من تلك الزيجات تتم رغم عدم رضاء الفتاة، أوإقناعها بطريقة تحمل في طياتها استغلالاً لبراءتها، «فأنتِ يا فتاتي سترتدين فستان العروس وستعيشين حياة وردية جميلة بلا مسؤليات»!

 

 

 

 

صدمات ما بعد الزواج

ينتهي يوم العرس، ويذهب الضيوف إلى حيث جاؤوا، تفرح الطفلة بفستانها الأبيض ويسعد الأب والأم، فأخيرًا خف الحِمل!

ثم فجأة، تصدم الفتاة بما لا يُحمدعقباه، مسؤليات، واجبات وحقوق لم يكن لعقلها القاصرأن يتخيلها تجاه بيتها وزوجها وعائلته. فتُحرم الفتاة من فرصة التعليم والعمل، بينما على الصعيد الآخر تواجه الكثير من المشكلات والأزمات في حياتها الزوجية، كأن تتعرض للضرب والإهانة من قبل الزوج وأهله.
فوفق ما صرح به صندوق الأمم المتحدة، فإن «الفتيات القاصرات المتزوجات يتعرضن أكثر من غيرهن للعنف من الشريك، سواء من خلال المعاملة اليومية أو الحياة الجنسية التي تعيشها والتي كان من الممكن تجنبها لو تزوجن بسن أكبر».

غالبًا ما يغض أهل الفتاة الطرف عن أي انتهاكات تحدث بحق ابنتهم، بدعوى أن بناء بيت ليس بأمر يسير وعليها أن تتحمل كغيرها من المتزوجات.

في حقيقة الأمر هي ليست كغيرها، فبالمقارنة بفتاة عشرينية نجد الفرق الشاسع في قدرة كل منهما على تحمل المسؤليات فضلاً عن النضج الجسدي والنفسي الذي تفتقره تلك الفتيات. إذ تعاني الكثير من الفتيات القاصرات في الزواج من مشاكل صحية كثيرة كالإصابة باضطرابات الدورة الشهرية وتأخر الحمل، والولادة المبكرة، فضلاً عن تزايد حالات الإجهاض ، وارتفاع مخاطر إصابتهن بهشاشة العظام. علاوة على المعاناة التي قد يواجهها أطفال الكثيرات منهن، كأن يختنق الجنين في بطن أمه وما يصاحب ذلك من مضاعفات كقصور الجهاز التنفسي وعدم اكتمال الرئتين وبعض مشاكل الجهاز الهضمي.

فالقصص كثيرة والأوجاع أكثر والآلام مدفونة في صدور صويحباتها والمعاناة صامتة. جُل أبطالها يقطنون القرى حيث لا رقابة من قبل الحكومات، إذ اعتاد الناس في كثير من القرى في أغلب الدول العربية على تزويج فتياتهم بعقدٍ عُرفي حتى يتممن سن الزواج القانوني، ومن ثم يتم تسجيل العقد بصورة رسمية. لن نتحدث هنا عن مشروعية ذلك فقد يرد أنصار تلك الزيجات بأن العقد قرين الإشهار! لكن ما نريد أن نثيره هو ما تكابده تلك الفتيات اللواتي لا يوفقن في حياتهن الزوجية. إذ على الأغلب يخرجن بلا أي حقوق تُذكر، أحيانًا بعاهات مستديمة وأحيانًا أخرى بطفل لا يريد أبوه الاعتراف به، فيطلقها وتبدأ هي مشوارها في طريق المحاكم لتُثبت زواجها من أجل إثبات نسب طفلها الذي لا ذنب له سوى أن أمه كانت ضحية لمجتمع مُجحف وبيئة غير سوية فرضت عليها الزواج دون وضع اعتبار لبنية جسدها الضعيفة وعقلها القاصر وعدم تبصرها لفلسفة الزواج وأهميته وحقوق زوحها عليها وحقوقها عليه.
أرقام وإحصائيات صادمة:

 

حقيقة الأمر، الأرقام التي تشير إليها الإحصائيات حول زواج القاصرات في الوطن العربي مخيفة ومربكة. فبحسب إحصائيات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2016، فإن حوالي 15 مليون فتاة في الدول النامية تتزوج قبل بلوغ سن الثامنة عشر. ووفق دراسة أعدها مركز الرصد والحماية في منظمة سياج للطفولة، فإن ما لا يقل عن 60% من الفتيات اليمنيات يتزوجن قبل بلوغ سن الـ 18، في حين تتزوج نسبة تقدر بنحو30% إلى 40% من الفتيات قبل بلوغ سن الـ 15. وفي العراق، بحسب دراسة ميدانية فإن 61% من القاصرات انتهت حياتهن الزوجية بالطلاق دون حصولهن على أية حقوق.
وفي السودان، تصل نسبة زواج القاصرات فيها إلى 52%، وموريتانيا 35%، واليمن 32%، وفلسطين 21%، وفي مصر 17%.

 

الأمر الذي يشير إلى استفحال تلك الظاهرة وبخاصة في البلدان الفقيرة أو التي تعاني من حروب أو صراعات و تلك الدول التي يغلب عليها الطابع القبلي.

 

 

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله