سباقات مسمومة على حافة الهاوية

السرعة القاتلة تستمر في حصد أرواح الشباب، وهي تصنف كل سنة ضمن الأسباب الرئيسية لحوادث المرور القاتلة.. ورغم ذلك لا تزال فئة من الشباب لا تجد متعتها إلا وهي على حافة هاوية الموت، بل ينفقون أموالاً طائلة كما هو الحال في الإمارات وبعض دول الخليج، من أجل تلك الهواية المميتة. إلا أنه لا يمكن وضع جميع الشباب في سلة واحدة، فبطل الفورميلا الشاب الإماراتي هيثم سلطان حول هوايته وعشقه للسرعة، إلى تفوق البطولات المحلية والإقليمية، ليتحول إلى نموذج يقتدى به، خاصة وأن الأرقام المستخلصة من استطلاعنا حول ظاهرة السباق بسرعة وتهور، مخيفة جداً، ويكفي معرفة أن نسبة 68% من الشباب لا يلتزمون بقواعد السلامة وقوانين المرور!

سباق سيارات الشوارع:
أرواح على كف “موتور”!
بعيداً عن أنظار الشرطة، وزحام اطرقات تضرب مواعيد محددة مسبقاً، وقبلها تجهز السيارات، أما الشباب فهم في انتظار ساعة الصفر في الشوارع الخالية.. ومقابل لحظات من المتعة الزائفة يعيشونها في سباقات سيارات الشوارع! يجازف شباب في عمر الزهور بأرواحهم.. نسعى عبر هذا التحقيق إلى الكشف عن أسباب هذه المجازفة والمغامرات المجنونة!

لسنا أطفالاً!
في قسم المخالفات والضبط بالإدارة العامة للمرور بدبي، قابلنا ثلاثة شباب، عرفنا من الضابط المسؤول أن أحدهم واسمه أحمد، 20 عاماً، طالب جامعي، تم التحفظ على سيارته ومصادرتها، حيث كان يقودها بصورة متهورة ودون رخصة قيادة! إضافة إلى مخالفة 3000 درهم، واحتجاز السيارة لمدة شهر.
في البداية قال لنا بكل ثقة صديقه خليفة، 19 عاماً، وهو أيضاً طالب جامعي: الشرطة غالباً توقع المخالفات على الشباب الصغير السن، دون وجه حق، بغض النظر عن طبيعة قيادتهم للسيارات والسرعة التي يسيرون بها! ويؤكد أن الشرطة تتعامل معه وأصدقائه “بأبوية” وهو ما يرفضه.
حاولنا إفهامه أن ذلك فيه تجن إلى حد كبير على رجال الشرطة، لكنه أصر على موقفه مؤكداً أن الشباب يلتزمون بالقوانين وتعليمات المرور عندما يقودون سياراتهم داخل المدن أو في الأماكن المزدحمة، لكن قيادتهم إياها بسرعة فائقة أو التسابق مع بعضهم البعض، يكون خارج المدن أو على الطرق الرئيسية، وهو أمر غير ضار وليس تهديد للإخرين، على حد فوله! لأن الطرق تكون خالية من المارة ومن المركبات الأخرى.
من جانب آخر، يقول صديقه حمد، 19 عاماً، طالب في نفس الجامعة، إن الأمر وصل إلى الاشتباه بميل الشباب الإماراتي إلى امتلاكها، حيث بات امتلاك أحد الشباب لهذه الماركات تهمة! لكنه يعترف بكل صراحة أن كثيراً من الشباب يجرون تعديلات وتطويرات ميكانيكية على هذه السيارات، بالتعاون مع بعض الورش الخاصة بإصلاح السيارات، ما يمكنهم من رفع سرعات هذه السيارات، لتماثل أسرع سيارات السباق!
الثلاثي حمد وأحمد وخليفة أكدوا لنا أنه يمكنهم تحويل سرعة السيارة عادية إلى سرعات أعلى من تلك التي تمتلكها أسرع السيارات التي تم تصميمها في العالم، بإنفاق مبلغ 128 ألف درهم، بعد تغيير موتور السيارة بآخر من نوعية معينة، وتزويد المسرعات الخاصة بالسيارة بصورة تزيد من سعتها (cc) ومن عزمها.
وعندما سألناهم لماذا لا يوظفون هذه القدرات “الإبداعية” في ما هو مفيد؟ كان الرد أنهم يجدون متعة في قيادة السيارات والسباق مع أصدقائهم بعيداً عن أعين الأهل والمجتمع، سواء لمسافات قصيرة (5-10 كيلومترات)، أو لمسافات طويلة، والتي قد تصل إلى المسافة بين دبي والعين وهي حوالي 150 كيلومتراً!
وبسرعات تتجاوز 200 كيلومتر/ ساعة، وبدون لوحات أو رخصة قيادة! والغريب أن الشباب الذين قابلناهم طالبوا الشرطة بأن تكف عن ملاحقتهم وتعقبهم، وتوفير مناطق مخصصة لهذه السباقات.
وبسؤالهم عن المخاطر التي قد يتعرضون لها بسبب هذه الهواية الخطرة، أجاب خليفة بالقول إنهم ليسوا أطفالاً! وإنهم يقومون باتخاذ الاحتياطات اللازمة والتأكد من إجراءات السلامة قبل السباق/ وإن لم يمنع ذلك وقوع احوادث، حيث فقد كل من أحمد وحمد أحد أقاربهما بسبب هذه السباقات ونتيجة القيادة المتهورة ! ورغم ذلك فهم لا يرونه سبباً للكف عن هذه “الهواية”!
حملنا خلاصة هذه المقابلة إلى الأخصائيين وأصحاب الشأن للتعليق عليها..

عقوبات رادعة
يقول الملازم عمران حمادي،من الإدارة العامة لمرور دبي، إن هناك تزايداً كبيراً في عدد الحوادث التي تسببها القيادة المتهورة للشباب وإقدامهم على ما يسمى سباقات الشارع. فقد أشار تقرير رسمي، صادر عن لجنة الداخلية والدفاع المدني بالمجلس الوطني الاتحادي (2012)، إلى أن حوالي 890 مواطناً قد توقفوا في حوادث مرورية خلال السنوات الأربع الماضية، والسبب الرئيسي وراء هذه الحوادث كان السرعة الفائقة، حيث يؤكد التقرير أن مخالفات السرعة الزائدة كانت تستحوذ على أعلى نسب المخالفات في الدولة (حوالي 68%).
كما تؤكد الإحصاءات الرسمية الصادرة عن شرطة دبي أن العام 2012 شهد وفاة حوالي 135 شخصاً، نتيجة السرعة الزائدة والقيادة امتهورة، مقارنة بحوالي 152 حالة وفاة في العام 2011. والسبب وراء وقوع حوالي 80% من هذه الحوادث، كان السرعة. إضافة إلى أن الشباب في الفئة العمرية ما بين 18-23 عاماً، هم أغلب المتسببين بوقوع هذه الحوادث.
وأضاف: يتعامل قانون المخالفات المرورية بصرامة شديدة جداً مع هذه الانتهاكات، فمن بين 147 مخالفة موجودة في بيانات المخالفات امرورية، طبقاً للقانون، يركز حوالي 30% من إجمالي هذه المخالفات على عنصري السرعة والتهور. وتكون العقوبات ما بين الغرامات المالية الكبيرة واحتجاز المركبات وإضافة النقاط السوداء إلى رخصة القيادة، وتصل إلى الحبس إذا ما أدى الحادث إلى وفاة شخص أو إصابته إصابات بالغة.

50% من الشباب متهورون ويموتون بمتعة!
نتيجة صادمة توصلنا إليها في استطلاعنا حول ظاهرة القيادة بسرعة عند الشباب.. فأولى النتائج أشارت إلى أن 50% في المئة من الشباب يقودون سياراتهم بسرعة دائماً، بينما 29% يقومون بذلك أحياناً.. واللافت أن 64% منهم يفعلون ذلك من باب المتعة، و 36% للتسابق على الطريق مع أقرانهم، والأخطر من كل هذا أن 68% من الشباب لا يلتزمون بقواعد السلامة وقوانين المرور.

مسؤولية الأهل والإعلام
د. محمد المطوع، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الإمارات، تطرق إلى الدور السلبي الذي تمارسه وسائل الإعلام في دفع الشباب للقيام بمثل هذه الممارسات، عن طريق إظهارها بصورة جذابة ومحببة، وكأنها أعمال بطولية ما يدفع الشباب لتقليدها، مشدداً على أن التدليل الزائد من جانب الأهل لأبنائهم لتبرير غيابهم وتقصيرهم في متابعتهم، يدفع الشباب لمثل هذه الممارسات الخاطئة.
ويرى مواجهة هذه الظاهرة تكون بنشر التوعية جميع وسائل الإعلام، عن المخاطر والتهديدات التي تتسبب بوقوعها هذه الرياضات وخطرها على أرواح الشباب وحياتهم.

سن التمرد!
وتوضح د. سعاد المرزوقي، أستاذة علم نفس بجامعة الإمارات، السبب وراء إقدام الشباب على “سباقات السرعة”، أو التهور في قيادتهم للسيارات بصفة عامة، قائلة: إن الشباب بين 14-16 عاماً، خصوصاً، تكون لديهم رغبة شديدة في التمرد على التقاليد، والقيود المفروضة عليهم، والقيام بأعمال متهورة وغير تقليدية، ومنها التدخين أو القيادة بتهور وغيرهما من صور التمرد.
وتضيف أن ذلك نتيجة طبيعية للمرحلة العمرية التي يمر بها الشباب، والتي تمتاز بكونها مفرطة في النشاط والطاقة، وفي الوقت نفسه عدم النضج الكافي لشباب يعانون في واقع الأمر من مشاكل طبيعية لمن هم في مثل سنهم، وإن كانوا لا يدركونها، تدفعهم الرغبة في إثبات الذات وانتزاع الاعتراف من المحيط الذي يعيشون فيه، إلى الإقدام على مثل هذه الهوايات الخطرة للتميز عن الآخرين. فهل يجد ما يقوله هؤلاء الأخصائيون والمسؤولون صدى، أما إصرار الكثير من شبابنا على المجازفة بحياتهم مقابل لحظات أو حتى ساعات مما يحسبونها متعة ومغامرة؟!

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله