قصة بيتر العظيم..من الجهل الى الامبراطورية!

قصة بيتر العظيم..من الجهل الى الامبراطورية!

بقلم :ابراهيم الزايد

لو أراد الشعب الروسي التفاخر برجل مر بتاريخه ، لن يجد أهم وأعظم من “بيتر العظيم” Peter the Great ، فهو باني روسيا التي نراها اليوم ، وهو الذي حوّل بلاده من أراضي حدودية تتقاتل مع قبائل في صحاري اسيا ، الى قوة عظمى تحارب اوروبا الغربية وتنافس الدولة العثمانية في العالم، بل وتسهم في هزيمتها وسقوطها.

بيتر لم يكن مُلهما للروس في حياته وأعماله فقط ، بل كان مثلا عظيما لهم حتى في مماته ، فقد مات بالحمي اثر قيامه بانقاذ مجموعة من جنوده غرقوا في سانت بطربيرغ سنة 1723 ، وبرغم تمكّنه من انقاذ الجنود ، الا أنه أصيب بالغرغرينا والحمى بسبب المياه المتجمدة.

كان بيتر في سن العاشرة عندما استلم الحكم! ، حيث مات القيصر ثيودور الثالث ، وكان للقصير أخوين ، هما بيتر ذو العشرة أعوام ، وايفان الأكبر لكنه باعاقة عقلية ، وكان لهم شقيقة اسمها صوفيا ، كانت بالخامسة والعشرين من عمرها، وكانت فتاة ذكية ولها مطامع بالحكم ، الا أن النظام في روسيا لا يسمح للنساء باستلام القيصرية، فاختار النبلاء ورأس الكنيسة الارذوكسية بيتر ليكون القيصر خلفا لثيودور الثالث.

هذا الأمر لم يعجب صوفيا، خصوصا وأن بيتر أخوها غير الشقيق، بينما ايفان هو اخوها من أمها وأبيها ، واستلام ايفان للحكم وهو يعاني من اعاقة عقلية يعني ان صوفيا ستكون الحاكمة.

رتبت صوفيا انقلابا عسكريا داخل القصر ضد بيتر الطفل وأمه ، إذ حرضت فرقة من الجنود على قتل حراس بيتر وامه وأقربائه وتجريده من كافة صلاحياته، لكنها لم تستطع ان تأمرهم بقتل بيتر ، لأن الكنيسة ستغضب عليها ، فانطلق الجنود المنقلبون في احد الليالي الى جناح بيتر وأمه ، واخرجوا كل عائلتهم وخاصتهم وأصدقائهم، وقتلوهم أمام بيتر ، وطبعت تلك الليلة القاسية ذاكرة القيصر الصغير ، وبقي يخاف من الانقلابات لدرجة أنه قتل ابنه خوفا من أن يتآمر عليه!

بعد أن نجحت صوفيا في قتل حاشية بيتر ،لم يعد له أو لأمه أي قوة تذكر ، ما دفع الكنيسة والنبلاء الى مناصفة الحكم بينه وبين أخوه ايفان ، لتتحكم صوفيا بالبلاد كما تريد.

ترك بيتر البلاط ، وتوجه الى أحد القرى ، وجعل منها قلعة حصينة له، وبدأ التدرب على السلاح ، ولم يذكر التاريخ من وجّه هذا الطفل لفعل هذا الامر ، لكن الثابت عنه أنه كان ولدا نشيطا وذو شخصية قوية وكان يعرف ما يريد منذ نعومة أظافره.

أسس بيتر مجموعة مقاتلين من أبناء القرية ، ومن المرتزقة الأوربيين ، وعيّن لنفسه مجموعة مستشارين أوربيين، علموه الكثير من الأمور ، وأفهموه أسباب نهضة اوروبا، وأخذوه في رحلة اليها ، انبهر وقتها بالعمران والفنون الاوربية ، وطريقة الاوربيين بالادارة والحكم ، فقرر العودة الى بلاده واستنساخ تجربة أوروبا.

اخته صوفيا كانت سعيدة بغيابه، حيث كانت تعتقد أنه فعل كما يفعل النبيلاء عادة بتخصيص قرى لأنفسهم وحكمها ، وواصلت حكمها لروسيا ، و وصل بها الامر الى ارتداء ملابس القياصرة ، وتفصيل عصا قيصيرية، كانت خاصة بالقياصرة الرجال فقط.

خلال هذا الوقت كان بيتر يطور من جيشه وقدراته، وخلال سنوات ، صار لديه مقاتلين شرسين وجيش مخلص، تم تدريب أفراده على الاسلحة الاوربية والطريقة الحديثة بالقتال والخطط ، بينما كان جيش صوفيا منتميا الى العصور الوسطى بلا أي خطط او حتى أسلحة متطورة.

وبعد أن كبر بيتر واشتد عوده، قرر استرجاع الحكم، فدخل بجيشه الجرار الى العاصمة ، وتم القاء القبض على صوفيا، وقام بسجنها في دير الى بقية حياتها ، ليستلم سدة الحكم.

أطلق بيتر حركة تجديد شاملة في بلاده، بدأها بالصناعة ، جيث أنشأ مصانع ضخمة في كل المجالات، ونقل روسيا من الزراعة الى التصنيع ، ثم أسس البنية التحتية لبلاده، وعمل على تقوية الجيش وتوحيد الأراضي، وانشاء أسطول بحري قوي وموانيء ضخمة، اما على صعيد المجتمع ، فارسل البعثات الى اوروبا لتعليم الروس العلوم الحديثة ، واستقدم مدرّسين ومعلمين ومستشارين من أوروبا ، وبدأ فصل “روسيا القوية ” على يد “بيتر العظيم”.

خلال 20 عاما من هذا التطوير،استطاع بيتر أن يحارب الامبراطورية العثمانية ، وينتصر عليها في مواقع كثيرة، ويحجز لبلده موانيء على المياه الدافئة ، ويحارب السويد في غرب أوروبا وينتصر عليها ، ويصنع من روسيا دولة حديثة وقوية دخلت العصر الحديث من أوسع أبوابه.

 

نبذة عن الكاتب:

ibrahim-alzayed

ابراهيم طه الزايد – مطور محتوى الكتروني – المشرف العام لموقع شباب 20

مقالات ذات صله