كيف ندرس الماضي من خلال الاثار؟!

البدايــة. تطورت فكرة دراسة الماضي ، من خلال المواد الأثرية القديمة ، تطــورا تدريجيا ، غير أن الاهتمام بهذا الموضوع من الدراسة ازداد في القرنين الماضيين. ففي القرن الثامن عشر الميلادي أخذ بعض الأأثرياء الأوروبيين في دراسة و جمع القطع الفنية التي تعود الى العصرين اليوناني و الروماني القديمين ، و سمي هذا الاهتمام بالفن الكلاسيكي جمع التحف. و كان الهـدف الأول و الرئيسي لهؤلاء المنقبين الأوائل البحث عن الكنوز ، و جعلهم هذا الهدف يهملون كل ما يعثرون عليه من مواد أخرى.

و خلال القرن الثامن عشر الميلادي أيضا ، بدأ علماء أوريبيون في التساؤل عن عمر الكائنات البشرية فوق سطح الأرض ، و جاء اهتمامهم هذا – الى حد ما – نتيجة لاكتشاف أدوات حجرية بدائية وجدت الى جانب عظام حيوانات منقرضة . و حصل العلماء أيضا على معلومات تتعلق بالتلال الضخمة و أطلال المدن في القارة الأمريكية ، التي دلت بدورها على وجود حياة بشرية قديمة فيها . كما أدرك هؤلاء أن للبشر ماضيا يعود الى عصور ما قبل التاريخ ، غير أنهم لم يستطيعوا تحديد متى وكيف بدأ هذا الماضي .

القرن التاسع عشر . شهد القرن التاسع عشر توجها علميا لدراسة الماضي، فقد قبل الاتجاه القائل بقدم و عمق حقب ما قبل التاريخ ، نتيجة التقدم الذي شهدته دراسات الجيولوجيا و علم الأحياء . و مع بدايىة القرن حدد الجيولوجيون أن تكوينات الصخور ، قد تمت عبر عملية بطيئة مثل التعرية و النشاطات البركانية . و قد قادت الفكرة – التي تعرف بالاتساقية – معظم العلماء الى الاعتقاد أن عمر الأرض أكبر مما كان يعتقد.

و بمنتصف القرن التاسع عشر الميلادي أصبح علم الآثار ميدانا مستقلا من ميـــادين الدراسـة . و أخذت الأدلة حول انسان ما قبل التاريخ ، تتجمع بسرعة متزايدة . و من الاكتشافات المهمة التي تعود الى عصر ما قبل التاريخ،اكتشاف مواقع للسكن فوق بحيرة في سويسرا، و رسومات كهوف قديمة في فرنسا و أسبانيا ، و جزء من جمجمة بشرية وجدت في ألمانيا . و في أوخر هذا القرن بدأ الآثاريون في استخدام طرق فنية في التنقيب ، بحيث جعلت بالامكان تحديد تسلسل التطور الحضاري.وأصبح العالم البريطاني فليندرز بيتري – نتيجة عملية التنقيب التي قام بها في نقادة ، قرب قوص بمصر- و احدا من الرواد الذين قاموا بالتنقيب بحثا عن كل البقايا و ليس عن الكنوز فقط.و كان من بين الذين قاموا بعمليات التنقيب ، في ذلك الوقت الدبلوماسي البريطاني أوستن هنري ليارد، الذي قام بالتنقيب في مدينة نينوى المعروفة في العراق. و كذلك رجل الأعمال الألماني هنريش شليمان ، الذي قام بالتنقيب في طرواده الواقعة في تركيا.

و في أواخر القرن ركز  الآثاريون دراستهم على الحضارة الأوروبية القديمة و حضارات الشرق الأوسط التي وصفها الكتاب الكلاسيكيون و كتاب العهد القديم ، و لكن الآثاريين الأمريكيين لم يعثروا على أية وثائق مكتوبة عن الحضارات التي درسوها. و لذلك فقد تحولوا تحولا جزئيا لدراسة الانثروبولوجيا بغية الحصول على طلرق لتفسير مكتشفاتهم فدرسوا مثلا الأشياء التي كان معاصروهم من الهنود الأمريكيين يصنعونها،و ذلك لمساعدتهم في تفسير و فهم الأحافير التي كانت المجتمعات القديمة تصنعها. 

القرن العشرون. توسع ميدان علم الاثار توسعا كبيرا جدا فقد جعل الكتشاف هوارد كارتر قبر توت عنخ امون سنة 1922 م دراسة الاثار المصرية القديمة محط اهتمام عام . غير ان علماء الاثار بدأوا اضا باكتشاف حضارات قديمة في امريكا الجنوبية وامريكا الوسطى والصين واليابان وجنوب شرقي اسيا وغيرها من المناطق .

في عام 1921 م ، كشف عالم الاثار السير جون مارشال ، المسؤول عن مسح الاثرا الهندية عن وجود مدينة هارابا القديمة ، في باكستان الحالية ، وفي السنة التالية ، نقب في موقع مجاور لها وكشف عن وجود مدينة اكبر منها كثيرا وهي موهنجودارو، المستوطنة الرئيسية لحضارة السند القديمة ، بهذه الاكتشافات ، امكن إرجاع بداية التاريص المعلوم لشبه القارة الهندية لنحو 3500 ق. م . وفي اوائل القرن ، استخدم علماء الاثار التعاقب الطبقي والتتابع الطرازي لتأريخ معثورات. وخلال منتصف القرن العشرين الميلادي ساعدت التقنيات الحديثة على تاريخ المعثورات بطرق اكثر دقة وسهولة. وابرز هذه التقنيات هو التأريخ بالكربون الشمع ، الذي طوره خلال الاربعينات من هذا القرن الكيميائي الامريكي ويلادليبيي .

وبمنتصف القرن العشرين حدث تطور كبير في ميدان إنقاذ الاثار تحت الماء . ففي السابق كان التنقيب تحت الماء صعبا ومكلفا ، ومكن إختراع جهاز التنفس ( الرئة المائية ) وجهزة الغطس الاخرى خلال القرن العشرين الغطاسين من التحرك بحرية اكثر عند حمل معدات البحث عن الاثار تحت الماء .

التطورات الحديثة . منذ الخمسينات من القرن العشرين ، اصبح الهدف الاول لعلماء الاثار الوصول الى  نظريات عامة لشرح التغيرات في المجتمعات البشرية التي يكشف عنها الدليل الاثاري , يبحث علماء الاثار اليوم مثلا عن الاسباب الكامنة وراء تطور الزراعة في المكسيك حوالي 7000 ق. م . وظهور المدن في الشرق الاوسط حوالي 3000 ق. م .

وكثير من علماء الاثار يضطلعون بمشروعات لدراسة مشكلة ما ،ولدراسة الموقع الاثري فحسب . فخلال الستينات من القرن العشرين الميلادي مثلا قام عالم الاثارالامريكي ، ريتشارد ماكينش بدراسة بقايا نباتية من مواقع كهوف عديدة في المكسيك ، ليجمع الادلة على ان الذرة كانت مادة تزرع وتستهلك في ذلك المكان .

وفي استراليا ، سعى علماء الاثار الى رسم خريطة لتاريخ السكان الاصليين . وفي عام 1984 م اورد الباحثون من الجامعة الوطنية الاسترالية تقريرا تناول بقايا نباتات وشظايا فحم نباتي من قاع بحير جورج في كانبرا ،واعترح الخبراو الذين قاموا بفحص هذا الدليل بصورة مدئية إحتمال ان يكون السكان الاصليون قد عاشوا في استراليا قبل نحو 130.0000 سنة مضت ، بزيادة تفوق 80.000 سنة عما هو معتقد .

وقد طور علماء الاثار المعاصرون ايضا تقنيات ابحاث جديدة وباتوا يستخدمون طرق اخذ العينات استنادا الى دراسة الموقع بسرعة دون الحاجة الى عمليات تنقيب مكثفة . وقد ساعدت طرق علمية جديدة ايضا على تسهيل اكتشاف مواقع تحت الماء . فمثلا ، صار بمقدور علماء الاثارتحديد مواضع الاثار المدفونة باستخدام جهاز يعمل بالقوة المغنطيسية لقياس اي اختلال طفيف في الحقل المغناطيسي للارض . وقادت هذه الطريقة الى اكتشاف مدينة قديمة مطمورة بعمق 4.6 تحت الارض في ايطاليا .

ومن بين الاهتمامات الرئيسية لعلماء الاثار في يومنا هذا مسألة حماية المواقع الاثرية التي لم تدرس بعد ، إذان كثير من هذه المواقع مهدد بمشروعات البناء او بالتوسع الزراعي او باشكال اخرى من مشروعات التنمية . وقد استصدرت بلاد كيثرة قوانين تهدف الى تحديد الاماكن التي قد تكون ذات اهمية تاريخية والى حمايتها ويسعى علماء الاثار على الصعيد الدولي الى وقف عمليات البيع غير القانوني للمعثورات والقطع الاثرية . كما انهم يعملون على حث الدول المتطورة على سن وفرض قوانين ، تجرم استيراد الاثار بلا شهادات تصدير خاصة ، يتم الحصول من بلاد المنشا . وهم يسعون ايضا للحد من نشاطات صيادي الكنوز الذين يقومون بتخريب المواقع الاثرية واتلافها .

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله