من أسرار “طبيبة نسا”

من أسرار “طبيبة نسا”

بقلم:ابراهيم طه الزايد

(1)

أعمل طبيبة نسائية منذ 15 عاما ، يتراوح عملي بين العيادة  صباحا ً لاجراء الفحوصات للمراجعات ، وبين المستشفى ليلا لاجراء العمليات الجراحية النسائية على أشكالها.

قد لا يعرف الكثيرين أن عيادة الطبيبة النسائية ليست مكان متخصص بالعمليات والفحوصات المخبرية وحسب ، بل هو “محطة اجتماعية ونفسية” للنساء في بلادنا ! ، فغالبا ما تتحدث المرأة عن مشاكلها العائلية والنفسية والاجتماعية بأريحية في العيادة …تهاجم المجتمع ، وزوجها وعائلتها ،وتشتكي من أولادها ، ومن البقّال، وصاحب محل الخضار ، والغلاء! ، وايضا لا يغيب عنها الحديث عن الموضة ، والماكياج وسائر قضايا المرأة.

وبرغم وقتي الضيّق، فأنا استمع للمراجعات في كل شكواهن ، سواء الجسدية أو النفسية ، وكوني امراة مثلهن ، اضع نفسي في كثير من الأحيان مكانهن ، كذلك فضولي الأنثوي يدفعني دائما للتعرف على قصصهن.

قصص النساء في العيادة النسائية لا تنتهي ، امرأة تتغنّى أمامي بطرقها وأساليبها في اغاظة حماتها وأخوات زوجها! ، تقول لي تلك المرأة أنها تطلب من زوجها هاتفا جديدا كل شهر ، فقط لتتباهى بالهاتف أمام أسرة الزوج ، وتغيظ اخواته والهدف اشعال مشاكل للزوج مع عائلته! ، لتثبت لنفسها ولهم –مرة بعد مرة – ان زوجها يحبها ومتمسك بها اكثر من تمسكه بهن!..وتؤكد في ختام حديثها: ( ان كيدنا لعظيم).

امرأة اخرى تخبرني عن الخطط التي تتبعها في انفاق كل فلس يدخل جيب زوجها ، لأن أمها علمتها ان “جنس الرجال ملهمش أمان” ، فما ان يرى اموالا في جيبه ، حتى يبدأ التفكير بالزواج من اخرى ، لذلك تعمد هذه المرأة الى اثقاله بالطلبات ، وتزيّن له الديون والقروض ، حتى يغرق بها ولا يعود قادرا على التفكير بفتح بيت ثان ٍ!

امرأة ثالثة تخبرني عن طريقتها باغاظة زوجها نفسه ، دون أن تظهر هي بالصورة ، فما ان يعود الرجل من عمله متعبا ومرهقا، حتى تقوم هذه الزوجة بـ”قرص” أطفالها ذوي العامين ، كي يبدؤوا الصراخ والبكاء ، ما يمنع الزوج عن النوم ، فينفق وقتا اطولا بالجلوس معها لاسكاتهم!

 

(2)

على مستوى الصعيد النفسي ، لن أحدثكم عما فعلته نانسي وهيفاء واليسا بالنساء ، فهناك “غيظ” عام لدى مراجعاتي من تلك المغنيات، والسؤال الذي صار يتكرر على مسامعي من مريضاتي هو :”كيف أحقن سيليكون يا دكتورة؟…هل ممكن أن أعمل شفايفي مثل هيفاء وهبي؟…هل ممكن أن اعدل أنفي أو أصغّره؟…”، واجابتي الدائمة لهن أنني لست طبيبة تجميل ، أولا ، وثانيا ان الطب لا ينصح باللجوء الى أي نوع من العمليات الجراحية إلا في حالة وجود ضرورة لذلك، كاخفاء حرق ، او تعديل عيب خلقي يؤثر فعلا على شكل حامله ، أما غير ذلك ، فهناك خطر محتمل مهما حاول “تجّار التجميل” اخفاءه.

هنا ، أنا لا انتقد النساء فقط في طريقة تفكيرهن هذه، بل أراهن “ضحايا”…ضحايا لمجتمع أوصلهن لهذه الحالة ، تخيل ان الفتاة في بلادنا تعيش ضغطا نفسيا كبيرا ، يبدأ في كثير من الاحيان منذ ولادتها ، حيث الكثير من الرجال لا يحب أن ينجب أنثى كعادات الجاهلية الأولى التي وأدها الاسلام! ، تخيّلوا أنني مرة تعرضت للتوبيخ من رجل اكتشف بالسونار أن زوجته حاملا بأنثى، فنهرها ونهرني ، ما دفعني لطرده من العيادة وتهديده بالشرطة! ، الأنكى انني صادفت في احايين عديدة أم الزوج تلوم الزوجة وتوبخها على حملها بأنثى، وكأن الأمر بيد الزوجة ولا حول ولا قوة الا بالله!

وعندما تُولد الأنثى وتكبر قليلا، تجد أمامها لائحة طويلة من المحاذير (افعلي ..ولا تفعلي ) ، فممنوع عليها مثلا أن تلبس ملابس صيفية رغم ان عمرها 6 سنوات ، وذلك لخوف اهلها أن تتعود هذا اللباس!، وعندما تكبر الفتاة قليلا وتصبح في سن المراهقة ، تكبر لائحة المحاذير ، فمطلوب منها ان تكون موزونة باللباس وموزونة بالتعامل مع اخوها وموزونة بالتعامل مع الاخرين ، رغم ان عمرها 12 سنة ، وفي سن الــ14 سنة ممنوع عليها ان تجلس لوحدها في (البلكونة) ، او تقف على الشباك ، او تخرج بدون اخوها ، ومع كل يوم يمر عليها ، تكبر قائمة المحاذير وتكبر ، لتصل هذه الفتاة الى سن الزواج ، ويكون مطلوبا منها – ضمنيا- ان تتدخل في القسمة والنصيب ، فاذا لم تتزوج ، فهي عانس والذنب ذنبها ! ، ومع كل هذا الضغط النفسي ، تم اضافة ضغط نفسي جديد على المرأة العربية ، وهو شكل هيفاء وهبي ، وجسم ميريام ، وأزياء أليسا، فــ (سي السيد العربي) يريد امرأة فيها جمال هيفا…وأناقة أليسا ..وثقافة منى الشاذلي..وخفة دم التركية نور ..وقوة نوال السعدواي…وتكون طباخة مثل منال العالم…وتتكلم لغات أجنبية…وتعمل بوظيفة مرموقة، وتأخذ راتبا ضخما، وتنجب له عشر أطفال ذكور وأن لا يزيد عمرها عن 22 سنة! وتهتم بماكياجها ولباسها أمامه بصورة يومية !…كل هذا يريده (سي السيد) بنفس الوقت! ، والا فان زوجته (ليست جيدة) ،  فتخيل حجم الضغط الذي تكون عليه الفتاة في بلادنا.

أنا لا أنفي مسؤولية المرأة نفسها في بلادنا عما آل اليه حالها ، لكن فلننظر ما الأسباب الأقوى التي أدت لأن تكون المرأة بهذه الضغط، نجد أن غالب هذه الأسباب اجتماعية خارجة عن ارادة المرأة ، وأحيانا الزوج يكون متفهم، لكنه يجبر زوجته على ان تساير المجتمع، لنه أيضا ضحية.

 

(3)

القصص الانسانية في عيادتي لا تنتهي ، وتتقاطع في احيان كثيرة مع قيم الذكورية في مجتمعنا ، ومن أكثر المشاكل التي اخاف منها ، هي مسألة الشرف ، فالموضوع حساس في مجتمعنا ، وقد يودي بحياتي وسمعتي كما حصل مع بعض زميلاتي الطبيبات، اللواتي عالجن فتيات تبين انهن حوامل بطرق غير شرعية، ما عرّض الطبيبة الى تهديدات بالقتل، وصارت سمعتها بالحضيض وتوقفت بقية النسوة عن مراجعتها وانتهى مستقبلها المهني!…رغم انها –أي الطبيبة – لم تعرف ان الفتاة التي تراجعها حامل بطريقة غير شرعية، فليس من مهماتنا مطالبة المراجعات بعقود زواجهن ولسنا دائرة حكومية حتى نطلب اثباتات منهن.

ذات مرة، دخلت عليّ شابة في بداية العشرينات ، ومعها اختها التي تكبرها بعامين ، وسالتني الكبرى –باحراج شديد- بكلام عمومي فيما اذا كان بالامكان “ترميم” غشاء البكارة للفتيات –كما تقرأ في النت – ، فلم أجبها ،وفحصت الفتاة الصغرى ، ليتبيّن أنها حامل في الشهور الاولى ، وما ان قلت لهم نتائج الفحص ، حتى تبدّلت معالم الفتيات ، وشحبت ألوانهن، وكانت الكبرى تنظر الى الصغرى والشرر يتطاير من عينيها ، وأنا في تلك اللحظة فهمت أن هناك امرا غير سوي يجري في المكان!

خرجت الفتيات من عيادتي ، وبعد يومين عادتا اليّ ، كانت الكبرى تحمل رزمة من النقود ، ووضعتها امامي على الطاولة ، وقالت لي أن اختها حملت بطريقة غير شرعية من شاب وعدها بالزواج وهرب، ولو عرف ابوها واخوتها بما جرى، فان حياة الفتاة هي الثمن الطبيعي لهذه الغلطة ، لذلك ما من حل الا اجهاضها وترميم غشاء بكارتها.

في الحقيقة لم أعرف ما أقول ، فأنا أمام مشروع انسانة “مقتولة” ،وتتوقف حياتها على قرار مني، ولكن انقاذها يعني انني سأقتل انسانا آخر هو الجنين الذي في بطنها ، كذلك سأخسر قيمي وأمانتي مع مهنتي ومع الناس ، فوالدها أيضا ضحية لها ولرفيقها المزعوم ، وهي أيضا ضحية ، ورفيقها أيضا ضحية لقلة تربيته وانعدام وازعه الاخلاقي والديني وتربية اهله ، وانا أيضا ضحية لهذا الموقف الصعب، فأمامي انسانة سوف تتعرض للقتل أتردد في انقاذها، وأيضا امامي أسرة “مستورة” ومحترمة بين الناس ، ما ان تتعرض الفتاة للقتل على يد ابوها أو أخوها ، حتى تصبح كل نساء العائلة “علكة” في فم الفضوليين والخائضين بأعراض الناس.

الامر في مجتمعنا لا يتوقف على الفتاة ، بل ينصرف الى صديقاتها وقريباتها ، والأنكى أنه يصل لي ولسمعتي لو ساعدتها وانكشف الامر! حيث ستصبح كل امراة من جهتي مشكوك بها!…ابنتي واختي وأي امرأة تراجع عيادتي.

اعتذرت من الفتيات ، وقلت لهن:” ستر الله عليكن…انا لا أعمل هذا العمل ، وأرجوكن ان لا تحضرن الى عيادتي مرة اخرى”، وفعلا خرجن.

بعد شهر أقرأ في أحد الصحف اليومية ، أن فتاة انتحرت بسكب البنزين على نفسها وعندما قرأت الاسم ، كان اسمها ، يومها ، تمنيت ان تنشق الأرض وتبلعني.

 

 

نبذة عن الكاتب:

ibrahim-alzayed

ابراهيم طه الزايد – مطور محتوى الكتروني – المشرف العام لموقع شباب 20

مقالات ذات صله