من هي أم المؤمنين “أم حبيبة” إبنة عدو رسول الله؟

من هي أم المؤمنين “أم حبيبة” إبنة عدو رسول الله؟

هي أم المؤمنين التي تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم إكراما لها وبينه وبينها آلاف الكيلومترات .. هي أم المؤمنين السيدة أم حبيبة بنت أبى سفيان عدو الرسول الكريم.

يقول الكاتب محمد ابراهيم سليم في كتاب “نساء حول الرسول” أن من كرام من هاجر إلى الحبشة من النساء المسلمات سيدة هي بنت رجل من أكبر اعداء الدعوة الاسلامية آنذاك .. وهي السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان .

أسمها الحقيقي رملة، ولقبها أم حبيبة. أسملت في بدايات الدعوة الإسلامية مع زوجها الأول عبيد الله بن جحش (شقيق السيدة زينب بنت جحش أم المؤمنين) بينما ظل باقي أهلها على الكفر. فخافت رملة من أذى أبيها فتركت العز والمال في ظلهم، ماضية صابرة إلى أرض الغربة والوحشة مع زوجها. وهناك في الحبشة وضعت السيدة رملة ابنتها حبيبة التي كنيت بها فصارت تدعى أم حبيبة.

وفي دار الهجرة بالحبشة توفي عنها زوجها عبيد الله بن جحش.. فظلت تعاني ويلات الغربة وآلام الترمل صابرة، بينما أبوها سيد مكة وصاحب الكلمة النافذة والرأي المطاع .. لكنها ترفض حماه وتأوي إلى حمى الله، فكانت في صبرها مثال للمرأة المسلمة التي تقف صامدة من أجل ما تؤمن به، حتى لو كانت وحيدة في آخر الدنيا.

ومرت فترة طويلة وهي وحيدة في عزلتها الحزينة، حتى شعرت ذات يوم بجارية من جواري النجاشي تطرق بابها مستأذنة، وكانت تحمل لها رسالة من سيدها النجاشي تقول: “وكلي من يزوجك إلى نبي المسلمين، فقد أرسل إليكي يخطبك”

واستعادت أم حبيبة حديث الجارية مرتين وثلاثة غير مصدقة، حتى إذا استيقنت من البشرى نزعت سوارين لها من فضة فقدمتهما إليها حلاوة البشرى، ثم أرسلت إلى “خالد بن سعيد بن العاص بن أمية” كبير المهاجرين من قومها بني أمية فوكلته في زواجها من النبي.

واجتمع مسلمو الهجرة في المساء بدار النجاشي ليشهدوا اعلان الخطبة والزواج، وتلقت أم حبيبة التهاني والهدايا، وأصدقها النجاشي 4 آلاف دينار، وأصبحت منذ ذلك اليوم أما للمؤمنين رغم أن الزفاف لم يتم بعد.

واحتفلت المدينة المنورة بدورها بدخول بنت أبي سفيان بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأولم خالها الصحابي الجليل ذو النورين “عثمان بن عفان” وليمة حافلة نحر فيها الذبائح وأطعم الناس.

وعندما بلغ ابو سفيان في مكة نبأ زواج ابنته من الرسول عليه الصلاة والسلام قال مغتاظا: “هذا الفحل لا يجدع أنفه”

وتضيف د. عائشة عبد الرحمن بنت الشاطيء في كتاب “نساء النبي”:

في الوقت الذي كان النبي غائبا عن المدينة في غزوة خيبر، عاد مهاجرو الحبشة إلى المدينة في صحبة “عمرو بن أمية الضمري” الذي بعثه الرسول إلى النجاشي ليعود بمن بقي في الحبشة من المهاجرين الأولين. وحملهم عمرو في سفينتين، ثم بلغ بهم المدينة ومعركة خيبر آنذاك في ذروة احتدامها.

وأعقب وصول مهاجري الحبشة إعلان فتح خيبر، وعاد النبي إلى المدينة سعيدا بالفتح وسعيدا بعودة المهاجرين الصابرين وقد أعزهم الله بعد ذل. وهناك بين المهاجرات العائدات كانت أم حبيبة بنت أبي سفيان، تنتظر النبي ليحملها إلى بيته بعد أن مضي على زواجه بها بضع سنين، منذ كانت في مهجرها بالحبشة.

واستقبلت نساء النبي زميلتهن “أم حبيبة” بشيء من المجاملة، فلم تر السيدة عائشة فيها ما يشعل غيرتها، اذ كانت رملة تدنو من عامها الأربعين، وليس لها سحر صفية بنت حيي، ولا ملاحة جويرية بنت الحارث، ولا حسن أم سلمة بنت زاد الركب، ولا جمال زينب بنت جحش.

وظلت السيدة أم حبيبة تحس في أعماقها حزنا قاسيا لأن أباها لا يزال على الوثنية الضالة، وآلمها أن تظل الحرب بين زوجها وأبيها قائمة.

وتناها إلى مسامعها يوما أن قريشا قد نقضت عهد الحديبية، وأدركت السيدة أم حبيبة بفطنتها أن رسول الله لن يسكت على الغدر ونقض العهد بينه وبين قريش، وفي نفس الوقت لاحت نذر الخطر في مكة، فاجتمع قادتها مضطربين يتشاورون في أمر محمد الذي يوشك أن ينقض عليهم ولا قبل لهم به وقتها. فاستقر رأيهم على أن يوفدوا رسولا منهم إلى المدينة يفاوض رسول الله في الاعتذار وتجديد الهدنة ومد أجلها عشر سنوات .. لكن من يكون رسولهم؟

استقر رأي القوم على ابو سفيان بن حرب دون سواه .. أولا لأن ابنته أم حبيبة هي زوجة رسول الله، وظنوا أن هذا قد يجعل الرسول يلين له، أو أن تتوسط ابنته لصالحه لدى النبي، وثانيا لأنه سيد مكة المطاع، وأي اتفاق معه مضمون التنفيذ.

وخرج أبو سفيان صاغرا مكرها نحو المدينة، فلما بلغها أشفق من لقاء رسول الله – خصمه الألد – مباشرة .. وفكر في ان له ابنة هناك في بيت خصمه .. فتسلل إليها يستعين بها على قضاء الحاجة التي جاء من أجلها.

وفوجئت أم المؤمنين أم حبيبة بأبيها يدخل بيتها، ولم تكن قد رأته منذ هاجرت إلى الحبشة، فوقفت تجاهه لا تدري ماذا تفعل أو ماذا تقول.. وتقدم ابو سفيان من تلقاء نفسه ليجلس على الفراش دون أن تأذن له، فما راعه إلا أن وثبت أم حبيبة فاختطفت الفراش قبل أن يلمسه وطوته في اعتزاز.

وسألها أبوها وقد تضايق: أطويته رغبة بي عن الفراش، أم رغبة بالفراش عني؟

فأجابته جوابا خلده التاريخ للأبد، يدل على مدى قوة عقيدة هذه السيدة العظيمة التي لا تخشى في الله لومة لائم: “هذا فراش رسول الله .. وأنت رجل مشرك ، فلم أحب أن تجلس عليه! ”

فقال أبوها والألم يعتصره: “قد اصابك يا بنية بعدي شر”

وانصرف ابو سفيان غاضبا، وقد أدرك أن رابط الاسلام أقوى من صلة القربى، حتى بين الأب وابنته

رأت أم حبيبة الرسول يتهيأ للمعركة الحاسمة وفتح مكة، فدعت له بالنصر، ولعل نساء النبي راقبنها وهي في موقفها هذا الدقيق، ترى جيش المدينة يتأهب لأخذ قومها على حين غرة، وانتصار الرسول يعني القضاء على أبيها وعشيرتها، لكن أم المؤمنين لم تجد صعوبة في أن نتاصب أهلها نفسهم العداء في سبيل إعلاء كلمة الله في الأرض.

لكن لاح لأم المؤمنين شعاع من الأمل، فدعت ربها أن يعدي ابو سفيان للإسلام كما هدى خالد بن الوليد وعمرو بن العاص بعد أن كانا أشد أعداء المسلمين، وقرأت ما نزل من كتاب الله حين تزوجها رسول الله:

” عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم”

وكان هذا أقسى ما تملك أم المؤمنين لأبيها وأهلها.

وبالفعل استجاب الله دعاء أم حبيبة، فأسلم أبو سفيان بعد فتح مكة مباشرة، وتطهر من رجس الشرك، وصار من الممكن لابنته أم المؤمنين أن تصل رحمها دون خوف من عقاب الله.

وقد لقيت السيدة أم حبيبة ربها في سنة أربع وأربعين من الهجرة، خلافة أخيها معاوية بن ابي سفيان، ودفنت في البقيع. ولها في كتب الحديث خمسة وستون حديثا عن رسول الله، روتهم عنها بنتها حبيبة ربيبة النبي، وابن اخيها عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، وابن اختها أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة وغيرهم.

وختاما قال عنها الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء:

“هي بنت عم رسول الله.. وليس في أزواجه من هي أقرب نسبا إليه منها ، ولا في نسائه من هي أكثر صداقا منها ، ولا من تزوج بها وهي نائية الدار أبعد منها”

مقالات ذات صله