80 ألف قاصر في المغرب:انهم يسرقون اعمارنا

80 ألف قاصر في المغرب:انهم يسرقون اعمارنا
فتيات حرمن تحت وطأة الفقر دفء الأسرة، ومقاعد الدراسة، واللعب، ليجدن أنفسهن خادمات في المنازل يتعرضن لاعتداءات وحشية، تنتهي في أحيان كثيرة بالموت!.. هذا هو حال 80 ألف فتاة مغربية قاصر، نرصد قصصهن في هذا التحقيق، ونتعرف على معارضة ناشطين حقوقيين، لمصادقة مجلس المستشارين في البرلمان المغربي مؤخراً، على مشروع قرار يسمح بتشغيل العمالة المنزلية من سن 16 عاماً!

المحرر/ الرباط- بشرى الردادي، الصور: المصدر ، Shutterstock

أصبح وضع الخادمات القاصرات في البيوت المغربية، يثير قلقاً كبيراً لدى فعاليات المجتمع المدني، والحقوقيين، والسياسيين، وحتى الرأي العام؛ وذلك بعدما أصبحت تتعرض له هذه الفئة من مختلف أشكال الاضطهاد النفسي والجسدي. ولا توجد إحصائيات دقيقة لحالات الاعتداء التي تتعرض لها الخادمات بمختلف مدن المملكة المغربية؛ باستثناء بعض الإحصائيات التي تقوم بها جمعيات المجتمع المدني المهتمة بهذه الفئة، والتي تشير إلى أن عددهن يبلغ ما بين 60 و80 ألفاً، 60 ٪ منهن دون سن الثانية عشرة، إلا أن ما خفي أعظم وأبشع! فداخل كل منزل مغربي تقريباً توجد خادمة قاصر؛ إذ تفضل ربات البيوت الخادمات الصغيرات، هذا إضافة إلى انخفاض أجورهن التي تتراوح بين 250 و500 درهم مغربي (الدولار الأميركي يساوي نحو 9.5 دراهم مغربية).112full_Page_043_Image_0002

أما بخصوص العقوبات القانونية المتخذة في حق المعتدين على الخادمات، فتظل عقوبات غير كافية أو رادعة؛ إذ يظهر بوضوح تقصير القانون في هذا الباب؛ كون المشرع المغربي لم يخصص أي فصل لتجريم الاعتداء على الخادمات القاصرات، وإنما يوجد فصل وحيد ضمن «مدونة الشغل» يظل حبراً على ورق مقارنة مع الحالات المشاهدة بشكل يومي. فبعض القضايا قد وصلت إلى ساحات المحاكم، في حين أن أخرى قد طويت قبل أن يعلن أمرها بسبب نفوذ المتورطين فيها، أو حصل المتهمون على أحكام مخففة.

وفي ظل هذا الفراغ التشريعي، وغياب الإجراءات، اللذين يعرفهما قانون منع تشغيل الأطفال في المملكة المغربية، قامت وزارة التشغيل والشئون الاجتماعية مؤخراً بتقديم مشروع قانون، ينص على إمكانية تشغيل العمال المنزليين ابتداء من سن 16؛ الأمر الذي دفع منظمة «اليونيسيف» إلى تذكير الحكومة المغربية بضرورة احترام تعهداتها، مطالبة إياها بإلغاء المشروع المذكور؛ حيث إن المغرب قد صادق في العام 1994 على اتفاقية حقوق الطفل، التي تنص المادة 32 منها على «حماية الطفل من الاستغلال الاقتصادي، ومن أداء أي عمل يرجح أن يكون خطيراً، أو أن يمثل إعاقة لتعليم الطفل أو ضاراً بصحته».

فتاة مطيعة!

فاطيم، 13 عاماً، واحدة من الحالات الكثيرة التي استطاعت أن تعود إلى أسرتها، بعد أن تدخلت إحدى الجمعيات الحقوقية لإنقاذها، بعد تلقي رئيستها اتصالاً من حارس البناية التي يسكن فيها «مشغلو الطفلة». فاطيم التي بدت خائفة وهي تحكي عن تجربتها المريرة لـ«20»، قالت: «كلما تذكرت أمي وهي تخبرني بالأمر، تسري في جسدي قشعريرة باردة، ليمر أمام عيني بعدها شريط ما حدث معي بكل بشاعته. كنت سعيدة في البداية، حتى إنني عانقتها بشدة لأنها ستتركني أسافر لأول مرة في حياتي! هي التي لم تفارقني يوماً. سألتها إن كان هذا الرجل وزوجته اللذان سيأتيان لأخذي، سيرسلانني مع أبنائهما إلى 112full_Page_043_Image_0005المدرسة؟! فما كان منها إلا أن قالت لي وهي تمسك بذراعي مؤكدة: اسمعيني جيداً يا فاطيم.. ستذهبين إلى هناك لتشتغلي فقط، لتشتغلي لا لتدرسي. يجب أن تكوني فتاة مطيعة يا ابنتي؛ كي يحتفظوا بك! ولأن ظروفنا كانت صعبة للغاية آنذاك، بعد مرور ما يقارب السنة على وفاة والدي؛ فقد قبلت حتى أساعدها على إعالة أسرتنا المكونة من أربعة أشخاص».

تكمل فاطيم: «لم يمر وقت طويل، حتى وجدت نفسي كمن وقع في فخ؛ الإهانات المتواصلة، الضرب المبرح بسبب ودون سبب، الأعمال الشاقة التي كانت تفوق قدرتي الجسدية بكثير، الأكل من الفتات المتبقي، الفراش البالي الذي لم يكن يدفئني، كلها أشياء لم أكن أتصور وجودها، إلى أن عشتها بالفعل في ذلك البيت! ولأن آثار التعنيف الذي كنت أتعرض له كانت بادية الوضوح علي، منعوني من الخروج إلى الشارع»!

وعن كيفية اكتشاف الأمر، قالت: «اهتديت إلى فكرة؛ وهي أن أكتب لحارس البناية رسالة هي «عتقني الله يرحم والديك غايقتلوني. أنا كنسكن في 24 (أنقذني أرجوك، سيقتلونني. أنا أسكن بالشقة رقم 24)! ولففت الرسالة في قطعة من ثوبي وعقدتها بملعقة كبيرة؛ ثم رميتها من النافذة.. رفع رأسه باتجاهي، فأشرت إليه أن يلتقطها.. فعل ذلك، وما إن اطلع على ما بها، حتى طمأنني أنه سيفعل كل ما في وسعه ليساعدني. لم يمر سوى يومين حتى زارتنا امرأة ومعها شرطيان. فيما بعد علمت أن حارس العمارة هو من اتصل بتلك المرأة، التي كانت رئيسة لإحدى الجمعيات الحقوقية، لكن الشكوى حفظت، بعد أن هُددت أمي بأن تتنازل مقابل مبلغ من المال، بدلاً من أن تخسر القضية والمال معاً»!

وحول رأيها في السن الذي اعتمده مشروع قرار تنظيم العمالة القاصرة، قالت فاطيم: «أرجو أن يعتبرونا مثل أبنائهم ولو لمرة 112full_Page_043_Image_0003واحدة.. يظنون بأن سن 16 عاماً كافية لكي تكون الفتاة قادرة على العمل كخادمة، لكنهم مخطئون. هم يطلبون منا أن نكون ربات بيوت ومربيات، في الوقت الذي نحتاج فيه إلى من يقوم بتربيتنا، وأنا أطلب منهم أن يوجدوا حلولاً تساعد أسرنا اجتماعياً لكي تستطيع إعالتنا، بدلاً من أن نعيلهم نحن»!

 

الساكت عن الحق!

عبد المالك أفرياط، عضو الفريق الفيدرالي في مجلس المستشارين، قال في حديثه لـ«20»: المشروع في البداية جاء تحت اسم «خادمات البيوت»؛ وهو ما اعتبرناه يتضمن نوعاً من الدونية والانتقاص من هذه الفئة؛ لذلك ألححنا كأعضاء مجلس المستشارين على ضرورة تغييره، ليصبح «مشروع قانون العمالة المنزلية». وقد حددت الصيغة الأولى سن العمال المنزليين بـ 15 عاماً؛ ما سبب استياء كبيراً فتم التعديل في ما بعد ليصبح 16 عاماً (السن الذي تقدمت باقتراحه الأغلبية). لكننا كمعارضة تمسكنا بسن 18 عاماً كحد أدنى؛ لذلك صوتنا ضد المشروع، على اعتبار أن رفع السن الأدنى للتشغيل في المنازل من 15 إلى 16 عاماً غير كاف.

أفرياط الذي مازال ينتظر ما ستنتهي إليه مناقشة المشروع في الغرفة الأولى للبرلمان المغربي (مجلس المستشارين)، أكد لـ«20» أن «الامتناع عن التصويت هو تصويت ضمني بالإيجاب»، لأنه يرجح كفة الأغلبية. مضيفاً أن «الساكت عن الحق شيطان أخرس»!

 

“ما تقيش ولدي”

نجية أديب
نجية أديب

من جهتها، استغربت نجية أديب، رئيسة جمعية «ماتقيش ولدي» (لا تلمس ولدي)، قبول الحكومة والبرلمان تمرير نص تشريعي يتيح العمل في المنازل ابتداء من سن 16 عاماً؛ واصفة يوم الثلاثاء 27 يناير 2014 الذي تمت فيه المصادقة بـ«اليوم الأسود والحزين جداً في تاريخ حقوق الأطفال وحقوق الإنسان في المغرب».

وأضافت مستنكرة: «الفتاة في سن 16 عاماً، هي مجرد طفلة صغيرة مازالت تكتشف نفسها، ولا تملك حتى البنية الجسمانية التي تستطيع أن تدافع بها عن نفسها إن هي تعرضت للاعتداء. فكيف يطلب منها أن تكون خادمة ومربية، تحمل على ظهرها طفلاً أكبر من حجمها؟!». وطالبت في حديثها لـ«20» بالتصدي لهذه الظاهرة، مشددة على ضرورة تدخل وزارة الداخلية لمتابعة مشغلي الخادمات القاصرات قضائياً، ما يساعد في القضاء عليها، لأن السكوت عنها مشاركة ضمنية في انتشارها واستمرارها.

 

 

مقالات ذات صله

1 تعليقات

  1. بدر

    تحية للمبدعة بشرى، معاينة عن كثب لظاهرة مستفحلة. مزيدا من العطاء والتألق. ☺

التعليقات مغلقه